محمود سالم محمد

493

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فهذه الأرجوزة وإن حوت بعض المقاطع القصصية ، لا تعدو سردا للأخبار وتأريخا لحياة شخصيات ، وجاءها الحس الملحمي من اختياره لهذه الشخصيات ، وهي شخصيات الأنبياء ، فظهر فيها شيء من مسألة الاتصال بين الأرض والسماء ، والصراع بين الخير والشر . ومن ذلك قصيدة للسان الدين بن الخطيب ، اسمها ( رقم الحلل في نظم الدول ) ، قال عنها : رجز « يشتمل على الدول الإسلامية كلها ، من غير حشو ولا كلفة ، إلى زماننا هذا ، ورفعته إلى السلطان » « 1 » فهي تأريخ للدول الإسلامية ، ويظهر أنها على مثال أرجوزة علي بن الجهم . فالأدب العربي حوى قصائد طويلة تؤرخ للدولة العربية الإسلامية ، أو تذكر أسماء الخلفاء ، أو تتحدث عن دولة بعينها ، وربما ابتدأ صاحبها منذ بداية الخلق كما فعل علي بن الجهم مجاراة لكثير من المؤرخين الذين حاولوا أن يشملوا في كتبهم الزمن الممتد منذ بداية الخليقة وحتى عصرهم . وهذه القصائد ، وإن بدت فيها ملامح باهتة من الملاحم ، إلا أنها ظلت أقرب إلى التأريخ ، وإلى الشعر التعليمي . وحين لاحظ الباحثون وجود ما يشبه الملاحم في شعر المدح النبوي ، اختلفوا حوله ، فأقر قسم منهم بتشابه بعض قصائد المدح النبوي مع الملاحم على وجه من الوجوه ، ونفى قسم منهم هذا التشابه ، معتمدا على مضمون الملاحم التي تمتزج بالتهاويل والأساطير وذكر العبادات القديمة ، ولا تلائم الفحوى الإسلامي ، الذي شيدت عليه القصائد الكبيرة في المدح النبوي . وقد ذهب ( عبد اللّه كنون ) إلى أن قصائد المدح النبوي « أحق بأن تصنف في شعر الملاحم من المعلقات والقصص المذكورة ، لأنها أطول نفسا ، وأكثر حوادث ، وأغنى

--> ( 1 ) ديوان لسان الدين بن الخطيب ص 104 .