محمود سالم محمد
494
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
بصور البطولة والكفاح من أجل إثبات الوجود العربي ، وإعلان رسالة الإسلام المقدسة ، التي أحلّت العرب محل الصدارة بين الأمم » « 1 » . وضرب لذلك مثلا بردة البوصيري ، فقال : « هل تقاس معلقة عمرو بن كلثوم مثلا بقصيدة البردة ، وما اشتملت عليه من فنون القول ، كالنسيب الذي يرقق الطباع ، والحكمة المزكيّة للنفس ، والإعلان عن مولد صاحب الدعوة الإسلامية ، وما صاحبه من الآيات والعجائب ، ما صح منها ، وما يروى عن طريق الرؤى والتجليات ، لأن المقام للخيال الشعري أكثر مما هو للتحقيق العلمي » « 2 » . وإن كنّا نوافق الأستاذ كنون في جلّ ما تحدث به ، إلا أننا لا نقره بأنه يمكن أن يكون الحديث عن المعجزات من باب الخيال الشعري أكثر مما هو للتحقيق العلمي ، فهذا الأمر يصح في غير الدين ، وإن كان شعراء المدح النبوي قد فعلوا ذلك ، فهم الملومون ، ولا يا بنى على تجاوزهم أية حقيقة أدبية . إن تحلي بعض قصائد المدح النبوي بعناصر الملحمة شيء موجود يحسه كل من يطالع هذه القصائد ، ففيها يمتزج العالم الواقعي بالعالم الروحي ، وفيها تصوير لمعارك وحروب بطولية خارقة ، وفيها قيم إنسانية نبيلة ، وفيها سرد لأحداث الدعوة الإسلامية ولحياة الرسول الكريم ، وفي بعضها يمتد الصراع إلى الأمم الآخرى ، وفيها تصوير لمراحل نشوء الأمة العربية الإسلامية وانتصارها على أعدائها ، وإيضاح لرسالتها السامية الخالدة التي حملتها إلى البشرية ، وفيها فوق هذا وذاك تجسيد للإنسان الكامل ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البطل الإنساني المطلق ، والمثل الأعلى للإنسانية في جوانب حياتها كافة . وماذا يبقى لتصبح هذه القصائد ملاحم ؟ الأسطورة ؟
--> ( 1 ) كنون ، عبد اللّه : أدب الفقهاء ص 192 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 193 .