محمود سالم محمد
463
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها * فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد « 1 » فالشعراء استقوا من سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معاني مختلفة ، ضربوا بها المثل لأهل عصرهم ، ليتعظوا بها ، وليصلحوا من شأنهم ، فالنبي الكريم هو المثل الأعلى للمسلمين ، وهو القدوة لهم في كل حركاته وسكناته ، فحين يعرض مدّاحه زهده وورعه وعدله ، يذكّرون حكامهم بما كان عليه سيد الوجوه ، وبما هم عليه الآن من غنى وظلم ، وحين يتطرقون إلى جهاده وشجاعته وصبره ومصابرته ، فإنهم يقدّمون للمتقاعسين عن الجهاد صور البطولة الفذّة التي تحفزهم إلى بذل كل ما يستطيعون للحفاظ على دينهم وأوطانهم . وغير ذلك كثير يقرعون به أسماع اللاهين الغافلين ، ليثوبوا إلى رشدهم ، وليقتدوا بسنّة هاديهم . وإلى جانب إظهار القدوة من سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرص شعراء المدح النبوي على ذكر أخلاق النبي الكريم وصحابته الأطهار بالتفصيل ، ومقارنتها بأخلاق أهل عصرهم ، على أمل أن يتركوا من أخلاقهم ما يبتعد بهم عن أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاق أصحابه ، وأن يتخلّقوا بخلق من بعث ليتمم مكارم الأخلاق « 2 » . وإذا كانت المدائح في الشعر العربي - في أكثرها - تلبس الممدوح أخلاقا لا تصحّ له ، وترفعه إلى مرتبة سامية ، فإن الشعراء ، وإن كانوا ينافقون ويزيفون الواقع ، فقد رسموا صورة مثالية لما يجب أن يكون عليه الرجل العربي ، وأشاعوا الفضائل بين الناس ليأخذوا بها ، فالمجتمع يفيد بذلك من قصيدة المدح ، لأنها تحيي فيه أخلاقا لا قوام له بغيرها ، وقد عبّر أبو تمام عن هذا المعنى بقوله :
--> ( 1 ) ابن ناصر الدين الدمشقي : سلوة الكئيب ، ورقة 52 . ( 2 ) « بعثت لأتمم حسن الأخلاق » موطأ الإمام مالك ، حديث 8 ص 904 ، « بعثت لأتمم صالح الأخلاق » مسند ابن حنبل 2 / 381 .