محمود سالم محمد

464

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ولولا خلال ، سنّها الشّعر ما درى * بغاة النّدى من أين تؤتى المكارم « 1 » وحين يذكر شعراء المدح النبوي أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاق صحابته ، وتنتشر قصائدهم بين الناس وينشغلون بها ، فإنّ هذه الأخلاق الجميلة الجليلة ، سترسخ في نفوسهم ، ويتخلّقون بها ، ويبتعدون عمّا يخالفها . وقد نقلت كتب التاريخ والأدب أمثلة وافية للانحراف عن الخلق السوي في ذلك العصر ، فكان لا بد للمصلحين ، ومنهم شعراء المدح النبوي من محاربة هذا الانحراف ، وتذكير أصحابه بأخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاق أصحابه ، ولذلك ألّفت الكتب الكثيرة في مناقب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصفاته وأخلاقه ، منها كتاب ( عجالة الراكب في ذكر أشرف المناقب ) ، قال مؤلفه : « كتبت في سفري هذا ضراعة ، هي عجالة راكب ، أودعتها لطائف من أشرف المناقب ، استخرجت معظمها من كلام العلماء ، وأدت إلى بعضها قريحتي . . لكن الأولى التأدب بأدبه ، والاقتداء بهداه » « 2 » . ومن هذه الكتب أيضا كتاب ( أدب الدنيا والدين ) الذي عزا مؤلفه بعض ما أورده فيه إلى منام رأى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ذات ليلة ، فقلت : يا رسول اللّه ، أوصني ، فقال : استح من اللّه عز وجل حقّ الحياء ، ثم قال : تغير الناس ، قلت : وكيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : كنت أنظر إلى الصبي ، فأرى من وجهه البشر والحياء ، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه . ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات ، تصورتها ، وأذهلني السرور عن حفظها ، ووددت لو أني حفظتها » « 3 » . ولهذا أكثر شعراء المدح النبوي من الحديث عن الأخلاق في مدائحهم ، ومن ذلك قول البوصيري :

--> ( 1 ) ديوان أبي تمام 3 / 183 . ( 2 ) ابن الزملكاني : عجالة الراكب ، ورقة 85 . ( 3 ) الماوردي : أدب الدنيا والدين ص 222 .