محمود سالم محمد
448
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إظهار النزعة العربية : لقد وضعت المدائح النبوية أمام الناس أمثلة عظيمة من العدل الاجتماعي ، وحرّكت في نفوسهم التوق إلى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية ، وتطبيق مبادئ الدين الحنيف جميعها ، فتضافرت مع أسباب أخرى ، ليظهر التململ الاجتماعي الذي تحدثنا عنه سابقا ، وكانت مناسبة عظيمة ينفّس العرب فيها عن كربهم وكبتهم ، فهم يمدحون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو عربي الأرومة واللسان ، ولا يستطيع أحد أن يعترض على ذلك ، ويمدحون العرب بذكر الصحابة ، ولا يجرؤا أحد على الاعتراض والمساءلة ، وبذلك يشاد بالعرب في دولة لم يكونوا السادة فيها ، وهذا يظهر أنهم لم يخلدوا لسبات عميق ، وظلوا في حركة وتململ ، وظلوا معتزين بأنفسهم ، فهم حملة الرسالة السماوية ومنهم سيد الخلق الرسول العربي الكريم . وعلى الرغم مما وصل إليه الأتراك من نفوذ ، فهم لم يستطيعوا أن يصبغوا البلاد العربية بصبغتهم ، ولم يستطيعوا الابتعاد كثيرا عن الثقافة العربية ، لأن اللغة العربية ظلت لغة الدولة والعلم والتأليف ، وظلوا يحتفظون في أنفسهم بشيء من الاحترام للخلافة العربية الإسلامية ، ويحرصون على استمداد شرعية ملكهم منها . ولم يكن الاعتزاز بالعروبة قاصرا على الذين يحتفظون بسلسلة نسبهم العربي الخالص ، وإنما اعتز بالعروبة كل من انتمى إليها حضاريا ، فاختلاط العرب بغيرهم من الشعوب ، جعل من العسير على معظم الناس الاحتفاظ بأنسابهم ، وإثبات أصالتها العربية ، لكن ذلك لم يقلل من انتمائهم للعروبة ، وخاصة أن الإسلام ربط بين عناصر الدولة ، وخفّف من حدة التنافر بينها ، فجميعها تلتقي على الإسلام ورسوله الكريم ، وتتوحد حوله ، ولذلك وجدنا من يرى في علاقة العرب بالترك علاقة تكامل ، لا علاقة تطاحن ، مثل قول ابن سناء الملك مشيدا بانتصارات الأتراك في الحروب الصليبية قبيل دولة المماليك :