محمود سالم محمد

439

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وأرجو أن أعيش به سعيدا * وألقاه وليس عليّ حوب يفرّج ذكره الكربات عنّا * إذا نزلت بساحتنا الكروب مدائحه تزيد القلب شوقا * إليه كأنّها حليّ وطيب « 1 » فما أجمل هذا المطلع ، وما أحلى هذه الثقة المطلقة بالمدح النبوي ، الذي يحيي القلوب الغافلة ، التي أماتها حب الدنيا وبهرجها . لقد ارتاح البوصيري إلى المدح النبوي ، الذي جعل حياته سعيدة ، وأزاح كروبه ، وجعله متيقنا من مغفرة اللّه لذنوبه ، فهل يطمح الإنسان إلى أكثر من هذا ؟ لقد وصل تأثير المدح النبوي عند الناس ، والاعتقاد به ، إلى جعل المدائح النبوية وسيلة لرؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، فقد قال السخاوي عن شاعر يدعى ابن العليف : « بلغني أن له قصيدة نبوية ، أودعها في ديوان له ، مشتمل على قصائد غالبها صوفية ، أولها : هذا النّبي الذي في طيبة وقبا * له النّبوّة تاج والقرآن قبا وقال : أنه ما قرأها أحد ليلة الجمعة عشر مرات إلا رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منامه » « 2 » . وروى الوتري قصة رؤياه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد إتمام ديوانه ( معدن الإضافات ) ، فقال : « لقد كنت رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة فراغي من تبييضها ، وهي في يده صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعه جماعة من أصحابه . . فكان يقول : انظروا بأي شيء مدحت ، وما قيل فيّ ، فعلمت أنها وقعت منه صلّى اللّه عليه وسلّم بموقع ، فاستيقظت مسرورا بما أعطاني اللّه تعالى . . . وبعد ما يقارب ثلاث سنين ، كنت أردد نظري فيها ، وأزيدها ترقيقا وتنقيحا . . ثم رقدت باقي الليل فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام وهو يقول لي : إنّ اللّه قد شفّعني في أهلك وزوجك وخادمك

--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 83 . ( 2 ) السخاوي : الضوء اللامع 5 / 298 .