محمود سالم محمد
435
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ولذلك انتشرت هذه القصيدة انتشارا عظيما ، وزاد اعتقاد الناس بمنافعها ، فعندما علم الوزير بهاء الدين ابن حنا ، وهو معاصر للبوصيري ، بقصة البردة ، « أخذها ، وحلف ألّا يسمعها إلا قائما حافيا ، مكشوف الرأس . . . ثم بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي « 1 » الموقّع رمد ، أشرف منه على العمى ، فرأى في المنام قائلا يقول له : اذهب إلى الصاحب ، وخذ البردة ، واجعلها على عينيك ، فتتعافى بإذن اللّه عز وجل ، فأتى إلى الصاحب ، وذكر منامه . . . فأخذها سعد الدين ، ووضعها على عينيه ، فعوفي » « 2 » . ومع تقدم الزمن أخذ الاعتقاد بالبردة يشتد ويقوى ، واحتفل بها المتصوفة أيما احتفال ، « ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة ، بل وضعوا لقراءتها شروطا لم يوضع مثلها لقراءة القرآن ، منها التوضؤ ، واستقبال القبلة ، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها ، وأن يكون القارئ عالما بمعانيها » « 3 » . « ووضعوا لها من المناقب والفضائل ، ما لا يقع تحت حصر ، فهي تشفي من عدة أمراض ، وتفرّج الشدائد ، وتسهّل كل أمر عسير » « 4 » . لذلك شاعت وقرئت في جميع المناسبات ، واتّخذت منها تمائم وتعاويذ ، وعورضت كثيرا ، ونسجت قصص أخرى مشابهة لقصة نظمها ، فتعزز الاعتقاد بالمدح النبوي وأثره . ومن القصص المشابهة لقصة نظم البردة ، قصة نظم الحلي لبديعيته ، إذ أراد - كما روى - أن يؤلّف « كتابا يحيط بجلّ أنواع البديع ، فعرته علّة طالت مدّتها ، واشتدت
--> ( 1 ) سعد الدين الفارقي : سعد اللّه بن مروان الكاتب البارع ، كان بديع الكتابة معنى وخطا ، توفي بدمشق سنة ( 691 ه ) ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 418 . ( 2 ) ابن شاكر : فوات الوفيات 3 / 369 . ( 3 ) ديوان البوصيري ص 29 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 30 .