محمود سالم محمد
419
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
الصنعة اللفظية : والتوراة كثيرة في شعر المديح النبوي ، مثلما هي كثيرة في شعر العصر ، وخاصة في شعر عصبة من الشعراء عرفوا باتباعهم مذهب التوراة والانسجام ، وهم كبار شعراء العصر ، وإلى جانبهم شعراء آخرون فتنوا بالبديع من جناس وطباق وتضمين ومراعاة النظير وبراعة الاستهلال واستخدام الأمثال ، وغير ذلك من فنون البديع التي بلغت عدتها الشيء الكثير ، وهي لا تزيد في بلاغة اللغة ، بل تقيد حرية التعبير ، وتثقل الصياغة ، وهي أقرب إلى الرياضة الذهنية منها إلى البلاغة التعبيرية ، ولو استعرضنا بعض نصوص المدائح النبوية ، لوجدنا من هذا الضرب الكثير ، فعائشة الباعونية تحدثت في مقدمة مدحة نبوية عن شيوخها من المتصوفة ، فقالت : هم عين عيني وهم سرّي وهم علني * هم سرّ كوني وهم بدئي ومختتم الموت فيهم حياة والفناء بقا * والذّل عزّ فيا طوبى لصبّهم « 1 » فطابقت بين السر والعلن والبدء والمختتم ، والحياة والفناء ، والذل والعز . وجانس الصرصري في قصيدة نبوية في جميع أبياتها ، وهذا يظهر أن الجناس لم يأت عنده عفو الخاطر ، وإنما أجهد نفسه لتتم له هذه المجانسة ، فقال : وخوص نواج ضمّر جابت الفلا * فما صدّها عمّا تروم وجاها بأكوارها شعث النّواصي من الس * سرى تحاول عزّا لا يبيد وجاها تودّ من التّعظيم لو بذلت له * ليرضى فداء أمّها وأباها نبيّ أطاعته الكنوز فلم يكن * لها قابلا بل ردّها وأباها « 2 »
--> ( 1 ) ديوان الباعونية ، ورقة 10 . ( 2 ) ديوان الصرصري ، ورقة 117 .