محمود سالم محمد
418
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
هذين البيتين لها معنيان ، معنى قريب هو اسم كعب بن زهير مادح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحب قصيدة ( البردة ) وهو الذي يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى ، ومعنى بعيد هو المقصود بالعبارة المشهورة ( كعب مبارك ) ، وهو ما سعى الشاعر إلى إيصاله في توريته . ومن ذلك أيضا قول القيراطي في مدحة نبوية : واكتبا في صحف الدّيار سطورا * من حروف ليست حروف هجاء كم علونا المعلّى بهن حروفا * حبّذا هن أحرف استعلاء صاح طف للإله سبعا ببيت * رمي الفيل فيه بالدّهياء واكحل العين عند مسعاك بالمي * ل ففيه شفاء داء العماء « 1 » والتوراة في البيت الثاني تكمن في كلمة ( أحرف استعلاء ) ، فقد كان يتحدث عن الرحلة والديار ، وشبهها بالكتابة ، فعند ما ذكر حروف الاستعلاء ، ظن أنها من حروف الهجاء ، وهو المعنى القريب ، والمعنى البعيد الذي يقصده الشاعر هو الرواحل التي تسمى حروفا أيضا . وفي البيت الثالث ، ورّى الشاعر بكلمة دهياء ، فالذي يخطر للمتلقي أنه اسم مكان أو صفة له ، وهو يريد الداهية ، وكذلك الأمر في البيت الذي يليه ، فالميل اسم مكان أو وحدة قياس وهو الأداة التي تكحل بها العين ، فتوجه معنى البيت وألفاظه توحي بأنه يقصد أداة الكحل ، ولكن المعنى الذي يريده من الكلمة هو اسم المكان . ومن التوراة في المديح النبوي قول النواجي في التشوق للمقدسات : وسرت نسمة الغوير فقل ما * شئت في فضل ليلة الإسراء « 2 » فالتورية في قوله ( ليلة الإسراء ) ، لأن المشهور من هذا التعبير هو الدلالة على الليلة التي أسري فيها برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وهذا هو المعنى القريب ، وهو يقصد الليلة التي سرى فيها نسيم الغوير ، وهو المعنى البعيد الذي يريده .
--> ( 1 ) المجموعة النبهانية 1 / 137 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 / 156 .