محمود سالم محمد

417

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فالسكر المكرر من موجودات البيئة المملوكية ، والأشياء التي أكثر الشعراء المماليك ذكرها والتشبيه بها في شعرهم . إلا أن اللون البديعي الذي ساد في شعر هذا العصر هو التوراة ، والذي يكاد يكون جديدا في الشعر العربي ، فقد أكثر منها الشعراء كثرة مفرطة ، وعدوها دليل الفطنة والذكاء ، واقتنصوها مما يخطر على البال أو لا يخطر ، طلبا للإغراب والإطراف ، وصارت التوراة غرضا بذاتها ، يكدّ فيها الشعراء أذهانهم ، ويفتنّون في عرضها ، وجعلها بعضهم مذهبا فنيا لهم . والتوراة حين تستخدم استخداما موفقا ، وتوضع في صياغة جميلة ، فإنها تكون بديعة ومؤثرة ، تدل على ذكاء وتفكير عميقين ، وخاصة إذا رزق صانعها موهبة شعرية أصيلة ، ووضعها في ألفاظ مواتية ، فحينئذ تندرج في الشعر اندراجا خفيا لطيفا ، لا يرى فيها تصنع مفتعل ، ولا تصدم الذوق بتكلفها ، أما إذا جاءت على غير هذا النسق ، فإنها تصبح عالة ينوء بها الشعر . وهي تمثّل الاتجاه الرمزي في الشعر العربي ، أو الصنعة الفنية فيه ، مثلما هو الأمر في شعر المتصوفة وألفاظهم . ومن أمثلة التوراة في شعر المديح النبوي قول محي الدين بن عبد الظاهر ، مشيرا إلى هدفه من معارضة لامية كعب بن زهير : لقد قال كعب في النّبيّ قصيدة * وقلنا عسى في مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة * كرحمة كعب فهو كعب مبارك « 1 » فالتورية هنا في قوله ( كعب مبارك ) ، وهو وصف لما يتفاءل به ، فكلمة كعب في

--> ( 1 ) الصفدي : الغيث المسجم 1 / 275 .