محمود سالم محمد
415
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
مصطلحات العلوم ، لكنه يجيد التشبيه ، ويحلق فيه ، مقتنصا العلاقات بين المعنويات والمحسوسات بدقة وذكاء ، فحرّك بذلك أسلوبه ، ومنحه شحنة عاطفية إضافية . ومن صور أهل العصر المعبرة التي تحمل آثار الصنعة ، تشبيه للشهاب محمود ، يصف فيه المسلمين في جهادهم ، فيقول : وكساهم حلل النّصر التي * نبذت تلك الأعادي بالعرا « 1 » فللنصر حلل كساها اللّه المسلمين ، فظل المشركون في العراء ، عاطلين من هذه الحلل ، وفي كلمة عراء تورية ، فهي نقيض الكسوة التي تحلّى بها المسلمون ، وهو الفضاء الذي تركت فيه جثث المشركين المهزومين ، فما أحلى حلل النصر التي كساها اللّه المسلمين ، وما أرفع عزّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأعلى مجده في صورة الشرف الأنصاري التي رسمها في قوله : هناك العزّ مرفوع السّواري * وثمّ المجد منصوب الأواخي « 2 » فالعز بيت مرتفع والمجد خيمة منصوبة ، وهذه الصورة تقليب لتشبيه القدماء وكناياتهم ، فقد كانوا يكنون عن السيادة والعز بارتفاع بيت الممدوح ، لكن الشرف الأنصاري جسّد العز ، وجعل المجد مرئيا ، فتقدم في هذا التشبيه خطوة إلى الأمام . وإذا أردنا استعراض التشبيه في المدائح النبوية ، لعزّ علينا ذلك ، ولملأنا صفحات كثيرة ، وخاصة من التشابيه العادية التي تميل إلى الصنعة ، والتي تظهر آثار ذوق أهل العصر ، مثل وصف ابن حجر لمحاسن محبوبته المزعومة في مقدمة إحدى مدائحه النبوية بقوله :
--> ( 1 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 119 . ( 2 ) ديوان الشرف الأنصاري ص 142 .