محمود سالم محمد

327

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

والشّمس قد همّت لتذهب رهبة * لكنّها بقيت لنا لم تذهب وعلى الأصائل رقّة . فكأنّما * لبست نحول العاشق المتلّهب ومبشّر النّوار جاء مخلّفا * لا شكّ قد خطرت نوافح يثرب « 1 » وهذا يظهر لنا أن مدّاح النبي الكريم الذين اختاروا الطبيعة مقدمة لقصائدهم ، كانوا يريدون إظهار بهجة نفوسهم لمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونقل هذه البهجة إلى نفوس سامعيهم ، إضافة إلى رغبتهم بإظهار مقدرتهم الفنية ، ومعرفتهم لضروب الصنعة البديعية ، التي كان لها شأن كبير في ذلك الوقت . الوعظ : إلا أن شعراء المديح النبوي لم يقفوا عند هذه الألوان من مقدمات قصائد المديح ، بل اتسعوا في مقدماتهم ونوّعوها تنويعا كبيرا ، ومن ذلك تقديمهم للمدائح النبوية بالحكم والمواعظ ، وضرب الأمثال ، وهذه الألوان وردت في مقدمات قصائد المديح العربي ، وهي تلائم المدحة النبوية ، لأن المقام مقام ديني ، ولأن الحكم والمواعظ تسترعي الانتباه ، وتوحي بموضوع القصيدة ، وتدفع إلى الخشية والورع ، وهذا ما يقصد إليه شعراء المدائح النبوية ، ليعتبر الناس من سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاقه وأفعاله . وغالبا ما تكون المواعظ في ذكر الذنوب وطلب التوبة والمغفرة ، وهو ما يتطلع إليه الشعراء الذين مدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء مدحهم ، وهذا ما لا حظه النبهاني ، ودعا إليه حين قال : « ويستحسن أيضا تقديم المواعظ والحكم في ابتداء مدائحه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنها من الأمور النافعة المستحسنة طبعا وشرعا » « 2 » .

--> ( 1 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 8 / 265 . ( 2 ) المجموعة النبهانية : 1 / 11 .