محمود سالم محمد
303
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
البديعة في هذا الكم الهائل من شعر المديح النبوي ، وإلا بعد أن ترتب جميع المدائح النبوية ترتيبا زمنيا ، ليتضح متى ظهر هذا المعنى أو ذاك أوّل مرة ، ومن الذي ابتدعه ، فمعاني المديح النبوي سرعان ما تنتشر بين مدّاح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مشرق الأقطار العربية الإسلامية ومغربها . واستطاع بعض شعراء المديح النبوي أن يولّدوا من المعاني القديمة التقليدية معاني تكاد تكون بديعة جديدة ، بفضل تطور استخدامها عبر الزمن ، وبفضل الألوان التعبيرية المستجدة ، فمن المقدمة الغزلية لقصيدة المدح التقليدية إلى الغزل الرمزي عند المتصوفة ، الذي يخرج بالغزل المعروف عند الشعراء العرب عن آفاقه المعهودة ومراميه المعروفة ، إلى الغزل الذي أضحى مقدمة للمدحة النبوية بشروط تواضع عليها شعراء المديح النبوي ، نجد بعض المعاني التي جمعت بين التعبير الغزلي ، ومضمون التشوق الديني للأماكن المقدسة ، مثل التغزل بالكعبة المشرفة ، فإن شعراء المدائح النبوية استطاعوا أن يجمعوا في الحديث عنها بين التعابير الرقيقة التي اعتاد عليها الشعراء ، وبين مشاعر الشوق والحنين والتقديس لها برمزية شفافة ، فجاءت المعاني بإيحاآت الألفاظ التي تعبّر عنها طريفة ، فيها شيء من الجدّة ، كقول ابن الزملكاني في مخاطبة الكعبة : أهواك يا ربّة الأستار أهواك * وإن تباعد عن مغناي مغناك « 1 » وقول العزازي « 2 » : دمي بأطلال ذات الخال مطلول * وجيش صبري مهزوم ومفلول « 3 » فرّبة الأستار هي الكعبة التي تتسابق الأقطار الإسلامية إلى صنع كسوتها وأستارها ، وهي نفسها ذات الخال ، وهو الحجر الأسود الذي يسعى المسلمون إلى لمسه وتقبيله والتبرّك به .
--> ( 1 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 4 / 217 . ( 2 ) العزازي : شهاب الدين أحمد بن عبد الملك التاجر ، الشاعر المشهور ، كان جيد النظم في الشعر والموشحات ، ت ( 710 ه ) . ابن شاكر : فوات الوفيات 1 / 95 . ( 3 ) ابن تغري يردي : المنهل الصافي 1 / 341 .