محمود سالم محمد

304

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

فالشعراء استطاعوا اقتناص هذه الصفات والإفادة منها في تشكيل معان بديعة . ويقرب من هذا ما نجده في حديث شعراء المدائح النبوية عن الرحلة إلى الحجاز ، فإنهم تابعوا سابقيهم في وصف الرحلة ، وفي إضفاء المشاعر الإنسانية على رواحلهم ، ولكنهم استطاعوا أن يضيفوا إلى ذلك مشاعر التقوى واللّهفة ، ونسبها إلى هذه الرواحل ، وأن يشملوها بالمشاعر الدينية التي تغلب على الراحلين إلى الحجاز . وظلت المشاعر الدينية تحيط بكل ما يقوله شعراء المدائح النبوية في مقدماتهم ، وحتى عندما وصفوا الطبيعة تمهيدا للمدح ، لم يجدوا فيها ما يبهج النفس فقط ، بل جعلوها مظاهر لقدرة اللّه تعالى ، وأنطقوها بشكره وتسبيحه ، مثل قول الصرصري : والورق تهتف في الأوراق شاكرة * إحسان مبتدئ بالفضل مشكور « 1 » وعلى الرغم من أن شعراء المديح النبوي استخدموا المعاني التقليدية في المديح ، إلا أن نسبها إلى الرسول الكريم أخرجها عن تقليديتها ، واستطاع الشعراء المثقفون ثقافة دينية كبيرة أن يولّدوا من المعاني التقليدية معاني جديدة ، لها صبغة دينية ، فجاءت بديعة جديدة ، فكم أثنى الشعراء على أخلاق ممدوحيهم ، ولكن لم يخطر على بال أحدهم أن يتحدث عن مصادر أخلاق الممدوح ، وأن يميّز بين هذه المصادر ، مثلما فعل البوصيري في الثناء على أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال : خلائقه مواهب دون كسب * وشتّان المواهب والكسوب « 2 » وحين أثنى البوصيري على تقوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واجتهاده في عبادته ، عبّر عن ذلك بمعنى بديع يقرب من الجدة ، ضربه مضرب المثل ، فقال :

--> ( 1 ) ديوان الصرصري : ورقة . ( 2 ) ديوان البوصيري : ص 50 .