محمود سالم محمد

299

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

لم أنتحلها ولم أغصب معانيها * وغير مدحك مغصوب ومنحول وما على قول كعب إن توازنه * فربّما وازن الدّرّ المثاقيل « 1 » فالبوصيري تحدث عن أخذ المعاني من القصيدة المعارضة ، ونفى أن يكون هذا الأخذ نوعا من الغصب والسرقة ، وخاصة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فشعراء المدائح النبوية تعاوروا معاني محددة في جميع قصائدهم ، فممدوحهم واحد ونظرتهم إليه واحدة ، وتفاضلهم يكون في مقدرتهم على توليد معان جديدة من المعاني المعروفة ، وعلى استخدام هذه المعاني استخداما جديدا متفردا يزيدها عمقا ويمنحها دلالات جديدة وإيحاآت مؤثرة . وعارض الشرف الأنصاري لامية كعب ، فقال : أو همت نصحا ( لو أنّ النّصح مقبول * لا ألهينّك إنّي عنكك مشغول ) بان التّجلّد عنّي والتّصبّر مذ * ( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ) تيّاهة آثرت صدّا لمغرمها * ( متيّم إثرها لم يفد مكبول ) « 2 » فمعارضة الشرف الأنصاري هي تشطير لقصيدة كعب ( بانت سعاد ) ، جعل الشطر الأول من نظمه ، ولاءم بينه وبين الشطر الثاني الذي اختاره من قصيدة كعب ، فأخذ جلّ معاني قصيدة كعب . وجاء بعد ذلك ابن مليك الحموي ، فعارض قصيدتي كعب والبوصيري ، فأخذ معاني من هذه ، ومعاني من تلك ، وقال : لا تحسبوا طرفه بالنّوم مكتحلا * ما الطّرف بعدكم بالنّوم مكحول

--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 220 . ( 2 ) ديوان الشرف الأنصاري : ص 389 .