محمود سالم محمد
293
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
في أحيان كثيرة أضافوا إلى المعاني التقليدية في وصف الرحلة والراحلة معاني الشوق والحنين إلى الأماكن المقدسة ، والوجد والحب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومثال ذلك قول البوصيري : سارت العيس يرجعن الحنينا * ويجاذبن من الشّوق البرينا داميات من حفى أخفافها * تقطع البيد سهولا وحزونا وعلى طول طواها حرمت * عشبها المخضّر والماء المعينا كلّما جدّ بها الوجد إلى * غاية لم تدرها إلّا ظنونا « 1 » فشعراء المديح النبوي استخدموا المعاني التقليدية التي تواضع عليها الشعراء الذين سبقوهم ، فلو استقصينا كتابا في المعاني مثل كتاب محاضرات الأدباء ، الذي حاول مؤلفه تتبع معاني الشعر العربي والتمثيل لها ، وتمعّنا في معاني المديح والغزل وذكر الأطلال ووصف الرحلة ، ووصف المعارك ، والحديث عن النفس والتوبة ، لرأينا أن هذه المعاني لم تكن جديدة في شعر المديح النبوي ، وأن شعراء المدائح النبوية لم يخترعوها أو يوجدوها من العدم ، وإنما هي مستقاة مما قيل عن هذه المعاني في التراث الأدبي العربي ، وكل ما فعله شعراء المديح النبوي ، هو أنهم نقلوا هذه المعاني من موضوع إلى موضوع ، وسموا بها إلى المقام النبوي الشريف ، وأعادوا صياغتها وطريقة استخدامها ، وأضافوا إليها إضافات بسيطة ، لوّنوها بها ، فظهرت جديدة نوعا ما ، إلى جانب ما استقوه من السيرة والحديث الشريف ، ومتابعة بعضهم بعضا . لقد لاحظ أدباء العصر المملوكي صعوبة الابتداع ، لأنهم وجدوا أنهم مسبوقون إلى المعاني ، لكن ذلك لم يدفعهم إلى اليأس ، ففي المقدمة الغزلية للمدحة النبوية ، نجد شعراء يذكرون معاني اعتاد سابقوهم ذكرها في مقدمات قصائدهم المدحية ، أو في
--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 257 .