محمود سالم محمد
285
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح : من الملاحظ في قصائد المديح النبوي ، حديث الشعراء عن مديحهم للنبي الكريم ، ووصفهم لهذا المديح ، وذكر غايتهم منه ، وغير ذلك مما يتعلق بالمديح النبوي شكلا ومضمونا ، وخاصة اعترافهم جميعا بتقصيرهم في مدح سيد الخلق ، وعجزهم عن الإحاطة بصفاته وخصائصه وفضائله ، وهذا ما جعل كثيرا من الشعراء يتهيّبون مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لإدراكهم أنهم عاجزون عن إيفائه حقه ، أو هذا ما ذهب إليه بعض المتتبعين للمديح النبوي ، فقال أحدهم : « لمّا كانت محاسن رسول اللّه لا تحصى ، وشمائله لا تستقصى ، أمسك بعض الشعراء المحبين عن المدح فيه ، لعلمهم العجز والقصور عن إدراك معانيه ، وأن ذلك ليس في قوة البشر ، بل في قدرة خالق الورى والقدر ، وبعضهم تصدّى لذلك بقدر طاقته ، وصرف نحو ذلك همّته وعنايته . . حتى شحّت بذلك الدفاتر ، ونفذت دون نفاذه المحابر » « 1 » . لكن النبهاني الذي صنع ديوانا كبيرا للمدائح النبوية ، وكانت له مشاركة كبيرة في هذا الفن الجميل الجليل ، لم يأخذ بهذا الرأي ، ولم يعذر الشعراء لتركهم مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحجة العجز عن إيفائه حقه ، فقال : « لكن ذلك لا يمنع الشعراء من مدحه ، للتقرب إلى رضاه ورضا مولاه بقدر استطاعتهم ، فإن اللّه تعالى شرع لنا على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه مع عجزنا كمال العجز عما يجب له ويليق به سبحانه وتعالى » « 2 » . وقد أخذ بعض الكتاب يرددون مسألة العجز عن مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويضيفون إليها وينقصون ، فالأبشيهي يتساءل قائلا : « وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه اللّه تعالى ، وأثنى عليه . . . واللّه لو أن البحار مداد ، والأشجار أقلام ، وجميع
--> ( 1 ) شرح الأزهري : ص 2 . ( 2 ) المجموعة النبهانية : 1 / 17 .