محمود سالم محمد

284

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

تحزّ في نفوسهم ، فتسللت إلى مدائحهم النبوية ، لأن قصائد المديح النبوي كانت تنفيسا لما يكرب الشاعر الذي يحاول من خلالها أن يعيد لنفسه الصفاء . فابن هتيمل طلب مساعدة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أعدائه ، وليدرك ثأره منهم ، فما فعلوه به يؤلمه ويقض مضجعه ، وهو لا يستطيع أخذ حقه منهم ، ولذلك مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واستنجد به ليدرك ثأره ، فقال : إنّي رجوتك والأيّام قد نحلت * عودي وأثقل ظهري حمل أوزاري من لي ومن لبنيّ الذّاهبين على * رغمي بقتلة مقداد وعمّار لي أسوة في عليّ والحسين وفي * ثأر لحمزة لم أحصل على ثار « 1 » ومثل ذلك حال النواجي الذي تبرّم بأناس اعتدوا عليه ، وتقوّلوا على لسانه الأقاويل ، وظلوا يكيدون له ، وهو صابر ، لا يجد إلا مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عزاء وسلوى ، فيقول : أشكو إليك أناسا قد طغوا وبغوا * عليّ واختلفت منهم أقاويل كم أظهروا كيد سوء فيّ واقترفوا * ذنبا وفي كيدهم خسر وتضليل وكم تسلّيت إذ جاؤوا بإفكهم * وقلت صبرا ففي الأيّام تحويل « 2 » وهكذا ظهر لنا أن المدائح النبوية حملت همّ الناس ، وعبّرت عن آمالهم ، فكانت صورة عن عصرها ، تعكس ما يجري فيه من حوادث ، وما يعتمل في العقول والنفوس ، ولم تكن مجرد مناجاة دينية لا تتعدى نفس قائلها .

--> ( 1 ) ديوان ابن هتيمل : ص 63 . ( 2 ) المجموعة النبهانية : 3 / 151 .