محمود سالم محمد
262
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وذهب ابن تيمية إلى أن « أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة ، لا يعتمد على شيء منها في الدين ، ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها ، وإنما يرويها من يروي الضعاف » « 1 » . ويظهر أن مسألة التوسل بالنبي ، كانت مثارة قبل هذا العصر ، ونجد صدى ذلك في رسائل إخوان الصفاء الذين جعلوا قضية التوسل مرتبطة بدرجة معرفة المؤمن باللّه تعالى فقالوا في ذلك : « من الناس من يتقرب إلى اللّه بأنبيائه ورسله ، وبأئمتهم وأوصيائهم ، أو بأولياء اللّه وعباده الصالحين ، أو بملائكة اللّه المقربين ، والتعظيم لهم ، ومساجدهم ومشاهدهم ، والاقتداء بهم وبأفعالهم ، والعمل بوصاياهم وسننهم . . . فأما من يعرف اللّه حق معرفته ، فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره ، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء اللّه . وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته ، فليس له طريق إلى اللّه تعالى إلا بأنبيائه وأوصيائهم وعباده الصالحين » « 2 » . وعلى الرغم من هذا الجدل ، فإن شعراء المديح النبوي لم يتوقفوا عن التوسل بالنبي وطلب شفاعته ، ليرفع عنهم البلاء ، ولتتحقق حوائجهم في الدنيا ، إلى جانب محو ذنوبهم في الآخرة ، وهذا هو السبب الذاتي لتوجههم نحو المديح النبوي . فالباعونية تصرح في تقديمها لإحدى مدائحها النبوية بغايتها من وراء مدحها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتقول : « ونويت بذلك وجه اللّه تعالى ، والأعمال بالنيّات ، والمسؤول من الرحمن أن يجعل جائزتي عليها وفور حظي وحظ ولدي وذريتي وأحباي فيه من فضله العظيم ، وأن ينظمنا في سلك خواص حضرة هذا الحبيب » « 3 » .
--> ( 1 ) ابن تيمية : قاعدة جليلة ص 72 . ( 2 ) رسائل إخوان الصفا : 4 / 21 . ( 3 ) ديوان الباعونية ، ورقة 16 .