محمود سالم محمد
254
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
بالإضافة إلى الجدل الديني بين الفرق الإسلامية ، والتنافس فيما بينها ، وإغناء بعض الفرق فكرها بآراء ونظريات أجنبية ، وتطعيم معتقداتها بأشياء من الأديان الآخرى ، والفلسفات المتباينة ، كل ذلك جعل الحقيقة المحمدية من أبرز النظريات الدينية التي شاعت في ذلك العصر ، فكان لا بد لشعراء المديح النبوي من ذكرها ، ومدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، لأنها تضع النبي المصطفى في مرتبة سامية لا يدانيها مخلوق ، وهم يسعون إلى ذلك ، وهذا في رأيهم منتهى المدح له صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأقل ما يليق به . الرسول والبشرية : إن الدافع لمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المقام الأول ، هو المحبة للنبي الكريم ، والإشادة بأثره في البشرية فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حمل رسالة السماء إلى الناس ، فنقلهم من وضع إلى وضع ، وأخرجهم من ظلمات الجهل ومفاسد النفس إلى نور الهداية وصفاء النفس ، ووضع أسس العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه ، وبين الناس في حياتهم الدنيا ، فحقق للإنسان إنسانيته ، وأعطى لوجوده معنى ، ولحياته رسالة وهدفا . وقد حرص شعراء المدائح النبوية على إظهار أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الناس كافة في قصائدهم ، وزادوا على ذلك ، فأشركوا الكون كله في التفاعل مع النبي ، فالمكان الذي له علاقة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سما على الأمكنة كلها ، والزمان الذي بعث فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زها على الأزمنة جميعها ، ومن قبل حين تحدثنا عن الرحلة في المدحة النبوية ، تبين لنا كيف أضفى شعراء المديح النبوي على راحلاتهم مشاعر الحنين لزيارة قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومشاعر الغبطة بالوصول إليه . فالكون كله متأثر بسيد الخلق ، مبتهج جذل بمبعثه ، وكأن شعراء المدائح النبوية خلعوا مشاعرهم على كل ما حولهم ، إذا نظرنا إلى المعجزات أو الإرهاصات بعيدا عن النظرة الدينية .