محمود سالم محمد

25

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ووصل الأمر في عهد بعض السلاطين إلى حد ضمان الخمارات وأماكن الفسق ، وحماية الفجور لقاء المال الذي يدفع إلى ضامن هذه الضروب من المفاسد ، والذي يدفع قدرا معينا من المال للدولة . وكانت هذه المظاهر في مد وجزر ، وفقا لظروف الدولة من حروب وسواها ، وحسب شخصية السلطان الحاكم ، فإذا كان السلطان محبّا للهو ، مجاهرا به ، جاهر الناس بالمعاصي ، واشتدّ ولعهم باللهو ، وإذا كان السلطان جادا ، منصرفا عن الملذات المحرّمة ، استتر طالبو اللذة الرخيصة ، وهدمت أماكن المجون ، التي تباح فيها المفاسد . وربما كان لاختلاط العناصر المختلفة ، والأجناس المتباينة ، أثر في انتشار مظاهر الفساد الاجتماعي ، وظهور العادات الغريبة عن العرب والإسلام ، وقد يكون إقبال الناس على اللهو والمجون من قبيل الهرب من قسوة الحياة ، واشتداد الظلم والعسف ، إلا أن هذه الحياة اللاهية لم ترق لكثير من الناس ، وهاجمها رجال الدين ، وعدوها أحد أسباب المصائب التي تحلّ بالأمة ، وهذا ما جعل بعض الشعراء يضجّون بالدعاء إلى اللّه تعالى ، ليخلّص المجتمع من هذه المفاسد ، ويتوسلون برسوله مادحين مستشفعين ليذكّروا الناس بتعاليم الدين وحدوده ، والحياة الإنسانية الحقة التي دعا إليها الإسلام ، وطبقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليشيعوا الروح الدينية بين الناس ، ليعدلوا عن هذه المفاسد ، أو ليقاوموها . وقد نظم كثير من الشعراء القصائد الدينية ، والمدائح النبوية منها خاصة ، للتكفير عن مشاركتهم في اللهو والمجون بالفعل والقول ، يطلبون فيها شفاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للخلاص من ذنوبهم ، ويعلنون فيها توبتهم عمّا كانوا عليه ، ويأملون الأجر والثواب والمغفرة من وراء مدحهم للنبي الكريم .