محمود سالم محمد
26
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
الفصل الثالث الأسباب الدينية إن المتتبع لأحوال الناس في القرنين السادس والسابع ، يلاحظ بوضوح غلبة الروح الدينية على مجمل النشاط الإنساني في الأمصار العربية الإسلامية ، ويظهر أن ما شهدته من اضطرابات عنيفة بسبب الغزو الخارجي من جهة ، وبسبب النزاع السياسي الذي تستر بالعقيدة بين القوى المتصارعة على السلطة من جهة ثانية ، كان وراء التمسك بالدين والحرص على شعائره ، طلبا للراحة والطمأنينة حينا واتخاذه سلاحا في الصراع الداخلي والخارجي حينا آخر . فالغزو الفرنجي للأقطار العربية اتخذ الطابع الديني ، وتستر بإنقاذ المقدسات المسيحية من أيدي المسلمين ، لذلك عرف ذلك الغزو بالحروب الصليبية وعرف الغزاة بالصليبيين الذين لم يكتفوا بإظهار طمعهم بالأرض العربية وخيراتها ، وإظهار عدائهم السياسي للعرب ، بل أخذوا في مهاجمة الدين الإسلامي وصاحبه ، وإنكار نبوته ، وهذا ما دعا المسلمين إلى الرد عليهم ، ومجادلتهم جدالا دينيا ، كان له أثره في بعض المعتقدات الدينية ، وفي الأدب والفكر . وكان يوجد قبيل العصر المملوكي دولتان ، تتنافسان تنافسا سياسيا وعقائديا ، هما الدولة العباسية والدولة الفاطمية ، وقد وصلت آثار هذا التنافس إلى العصر المملوكي . ويضاف إلى ذلك أن تيار التصوف اشتد قوة واتساعا ، وتعددت فرقه . فكان من نتائج ذلك كله ظهور فرق متباينة ، وجدال ديني ، أعطى نشاطا ملحوظا للحركة الدينية ، تجلّت في إقبال الناس على علوم الدين ، وكثرة التأليف فيها ، وفي الأدب الديني الذي تجسد في الشعر الصوفي وإضغاء الصفة الدينية على الممدوح ، وفي المدائح النبوية .