مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
32
محمد ( ص ) في مكة
لها : مه ؟ - أي ما هذا - قالت : أصابنا ما أصاب الناس - تريد أن ابن مظعون قد أكرمها كما يكرم الزوج زوجته في ساعة رضا . لكن يبدو أنها مرة وانتهى الأمر ، فقد اتخذ عثمان بن مظعون بيتا ( مستقلا ) فقعد يتعبد فيه . فبلغ ذلك النبي فأتاه وطرق عليه الباب وقال له : ( يا عثمان ، ان اللّه لم يبعثني بالرهبانية ) وكرر مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : ( وان خير الدين عند اللّه الحنيفية السمحة ) . ومع هذا ، فعثمان بن مظعون صحابي جليل ، هاجر إلى الحبشة مرتين ( أي الهجرتين ) وحارب إلى جوار الرسول في غزوة بدر ، وعن عائشة رضى اللّه عنها أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت ، وسالت دموعه على خده وكبر عليه أربع تكبيرات ، وبكته زوجته وحزنت عليه ورأت في منامها أن له عينا في الجنة . وروى ابن سعد أيضا أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قلل بعض الشئ من شأن ابن مظعون بعد وفاته ، على أساس أنه مات على فراشه ولم يقتل ، وقد اعتمد وات على هذه الرواية لتأكيد وجود اتجاهات مختلفة بين جماعتين : جماعة أبى بكر ومنها عمر ، وجماعة عثمان بن مظعون . هذا ما يتعلق بابن مظعون كما روته المصادر الاسلامية . هل نفهم من ذلك أن بعض الأفكار المسيحية لم تكن بعيدة عن البيئة العربية ؟ هل كانت هناك فعلا اتجاهات فكرية مختلفة في بواكير الدعوة بين أتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ هل لذلك علاقة بالهجرة للحبشة ؟ وإذا لم تكن حالة عثمان بن مظعون هي الحالة الوحيدة ، فهل نفهم من هذا أن من بين المسلمين الأوائل من كان على ديانات سماوية سابقة على الاسلام ، أكثر من العدد الذي نعرفه ، وأنه جرى التركيز على الوثنية العربية فحسب - بعد ذلك - لاثبات الطفرة الحضارية الهائلة التي أحدثها الاسلام ؟ وهل هذا الاتجاه اتجاه صحيح ، أم أن الأفضل توضيح الحقيقة التي مؤداها أن الاسلام بالفعل كان يتعامل مع مختلف الديانات السماوية ، بالإضافة للوثنية العربية ، وكانت جميعا ممثلة في شبه الجزيرة العربية ، وفي مجتمعى مكة والمدينة ؟ ليس من هدفنا تقديم إجابات لهذه الأسئلة وانما نطرحها ليخلص القارئ بعد قراءته لهذا الكتاب بما يشاء .