مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
33
محمد ( ص ) في مكة
الأمن والمال والدولة والرسالة لم يكن في مجتمع مكة قبل الاسلام ، ولا حتى بعد ظهوره ( إلى ما قبل فتح الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لها ) مؤسسة حكومية أو دولة أو كيان سياسي حاكم ، سوى اجتماع رؤساء العشائر وحلفائهم فيما يعرف بالملأ ، ولم تكن قراراته ملزمة الا إذا تم اتخاذها بالاجماع ، ومع هذا فقد كان الامن بمعناه الشكلى أو الظاهري مستتبا إلى حد كبير ، لا قتل ، لا سرقة . . الخ وحتى بعد اعلان الرسول لدعوته بكل ما تنطوى عليه ، فان أحدا لم يقتله ، بل لم يحاول قتله ، اللهم الا محاولة لم تتم في أواخر المرحلة المكية ، ويرى المؤلف أن المسلمين لم يتعرضوا لاضطهاد شديد كذلك الذي نسمع عنه في مجتمعات أخرى مارسته ضد المختلفين معها في العقائد ، ويرجع هذا إلى التكوين العشائرى ، وإلى شبكة التحالفات الحديدية ، التي تجعل الشكل الخارجي يوحى بالأمن المستتب ، رغم ما ينطوى عليه هذا الشكل ( الأمن المستتب ) من ظلم وعدوان بل واجرام من نوع خاص ، . . انه مجتمع المكائد والمقالب والتامر ، حيث يتحالف المتامرون على تاجر فيفلسونه فكأنما قتلوه ، أو يضعون من شأن شخص فلا يزوجونه ، أو يهينونه فكأنما قتلوه . . ، لذا فقد بدت دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وكأنها دعوة ضد أمن مكة واستقرارها ، لأنها كانت دعوة تتغاضى عن الظواهر لتصل إلى الجذور ، كانت دعوة راديكالية بمعنى من المعاني ، فاختل التوازن العشائرى ، بل واختل النظام داخل العشيرة الواحدة ، فأسلم الابن دون أبيه ، وأسلم الأخ دون أخيه ، . . الخ ، وبذلك انفرط العقد ، . . فكان لا بد من احلال نظام جديد يسد هذا الفراغ ، فظهرت فكرة الأمة ، وتحول الانتماء إلى الجماعة الاسلامية ، التي عوضت الداخلين الجدد عن الانتماء العشائرى ، وأصبح هناك التزام بشريعة ، وضبط سلوكى خوفا من اللّه وطمعا في ثوابه . . وبعد ذلك في المجتمع المدني كان للدولة عمد ونظام ، وأصبحت الدولة - ممثلة في الرسول وجماعة المسلمين - مسؤولة عن الفرد ، تعينه على طلب الرزق ، وتحل مشاكله الاجتماعية ، وتسأل عنه ان غاب . . ومن هنا كانت صلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد لسبب اجتماعي وسياسي واضح ، وهو أن يتفقد المصلون من غاب منهم ، فكانت مؤسسة المسجد بمثابة حكم محلى يبلغ الحكومة المركزية . .