محمد الغزالي
91
فقه السيرة ( الغزالي )
ورقة بن نوفل إنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم بشر مثلنا ، لكنّ الوجود لا يعرف تفاوتا بين أفراد جنس واحد كما يعرف ذلك في جنس الإنسان ، إن بعضهم أرقى من الأفلاك الزاهرة ! وبعضهم الاخر لا يساوي بعرة . . . وإن كان الكلّ بشرا ! ! . وذاك التفاوت واقع بين من لم يؤيّدوا بوحي ، فكيف إذا اصطفي إنسان ما ، وزيدت أطوار كماله المعتاد طورا اخر ، تومض فيه أشعة التسديد والتوفيق والإرشاد والإمداد ؟ ! . إنّ الوحي روح يفد على المختارين بحياة جديدة ، وهمّة جديدة ، ورسالة جديدة : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) [ النحل ] . إن الجنين بعد نفخ الروح فيه ينشئه اللّه خلقا اخر ، يغاير الأطوار الستة الأولى التي مرّ بها ، سلالة الطين ، فالنطفة ، فالعلقة ، فالمضغة ، فالعظام ، فالجسم المكسوّ باللحم . . والأنبياء بعد اتّصال الوحي بهم ، وسريان روحه الجديدة في أرواحهم ، يتحوّلون بشرا آخرين ، لا يدانيهم غيرهم أبدا في مجادة وإشراق . وهذا التغيّر الملحوظ سرّ تذكير اللّه لمحمد عليه الصلاة والسلام بالقدرة التي خلقت الإنسان من علق ، إنّ القدرة التي خلقت هذا الإنسان العجيب من علقة طفيلية ، هي التي ستنساق بنعمة اللّه إلى جعل محمد صلى اللّه عليه وسلم بشرا رسولا ، يقرأ بعد ما كان أمّيا . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الشورى ] .