محمد الغزالي
92
فقه السيرة ( الغزالي )
عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها : أنها قالت : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه - وهو التعبّد - الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله يتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها ، حتى فجأه الحقّ وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : « ما أنا بقارئ » ؛ قال : « فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) . . . » إلخ . فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ترجف بوادره ! حتى دخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : « زمّلوني ، زمّلوني » فزمّلوه ، حتى ذهب عنه الروع ، ثم قال لخديجة : « أي خديجة ، ما لي ؟ » وأخبرها الخبر ، ثم قال : « لقد خشيت على نفسي » . . . قالت له خديجة : كلا ، أبشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحقّ . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل - وهو ابن عمّ خديجة - وكان امرأ تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : أي ابن عم : اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ! ما ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أو مخرجيّ هم ؟ » قال : نعم ! لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك حيّا أنصرك نصرا مؤزّرا . ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي « 1 » . لكأنّ الأربعين عاما السابقة يوم واحد ، وبدأ الوحي صبيحة يوم جديد ! ! إنّ
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 1 / 18 - 23 ؛ ومسلم : 1 / 97 - 98 ، من حديثها .