محمد الغزالي

84

فقه السيرة ( الغزالي )

فإن الفضل فيه » « 1 » . وقد تعرّضت الكعبة - باعتبارها أثرا قديما - للعوادي التي أوهت بنيانها ، وصدّعت جدرانها ، وقبل البعثة بسنوات قلائل جرف مكة سيل عرم ، انحدر إلى البيت الحرام ، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار ، فلم تر قريش بدّا من أن تجدّد بناء الكعبة ؛ حرصا على مكانتها . وقد اشترك سادة قريش ورجالاتها الكبار في أعمال التجديد ونقل الأحجار ، بعد ما هدموا الأنقاض الواهية ، وشرعوا يعيدونها كما كانت . وبناء رفع إبراهيم وإسماعيل من قواعده قبل قرون سحيقة لا يوكل أمره لصغار الفعلة ، فلا غرو إذا أقبل عليه الشيوخ وأهل النّهى والصدارة ، ومن بينهم محمد صلى اللّه عليه وسلم وأعمامه . عن عمرو بن دينار ، سمعت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما ، يقول : لما بنيت الكعبة ، ذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة ، فقال العباس للنبي صلى اللّه عليه وسلم : اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة ، ففعل - كان ذلك قبل أن يبعث - فخرّ إلى الأرض ، فطمحت عيناه إلى السماء ، فقال : « إزاري إزاري » ، فشد عليه فما رؤي بعد عريانا . . . « 2 » . وتنافست القبائل في هذا المضمار ، كلّ يبغي الصّدارة فيه والذهاب بفخره ، حتى كاد هذا السباق يتحوّل إلى حرب ضروس في أرض الحرم ، واستفحل الشر بين المشتغلين بالبناء عندما بدؤوا يستعدّون لوضح الحجر الأسود في مكانه من أركان الكعبة ؛ لولا أنّ أبا أمية بن المغيرة المخزومي اقترح على المتطاحنين أن يحكّموا فيما شجر بينهم أول داخل من باب الصفا ، وشاء اللّه أن يكون ذلك محمدا صلى اللّه عليه وسلم . . . فلما رأوه هتفوا : هذا الأمين ، ارتضيناه حكما . وطلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ثوبا ، فوضع الحجر وسطه ، ثم نادى رؤساء القبائل المتنازعين ، فأمسكوا جميعا بأطراف الثوب ، حتى أوصلوا الحجر إلى الكعبة ، فحمله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، ثم وضعه في مكانه العتيد « 3 » .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 6 / 315 - 317 ، 359 ؛ ومسلم : 2 / 63 ؛ والنسائي وابن ماجة والبيهقي والطيالسي وأحمد من حديث أبي ذر . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 1 / 377 ؛ ومسلم : 1 / 184 ، وغيرهما . ( 3 ) حديث حسن ، أخرجه الإمام أحمد : 3 / 425 ، من حديث السائب بن عبد اللّه بسند -