محمد الغزالي

78

فقه السيرة ( الغزالي )

قوة ونشاط عندما انتهت حرب الفجار ، وأبرم حلف الفضول ، كان محمد عليه الصلاة والسلام يستقبل المرحلة الثالثة من عمره ، وهذه الفترة وما قبلها هي عهد الشباب الحار ، والغرائز الفائرة ، والطماح البعيد . ومحمد عليه الصلاة والسلام رجل قوي البدن ، عالي الهمة ، رفيع المكانة ، وقد لو حظت طاقته الواسعة حتى بعد هذه السنّ بنحو أربعين سنة ؛ قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : « ما رأيت أحسن من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! كأنّ الشمس تجري في وجهه ! وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! لكأنما الأرض تطوى له ! كنّا إذا مشينا معه نجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث » « 1 » . ومثل هذا الرجل تقبل عليه الحياة لو لم يقبل هو عليها ، وعلى من تقبل الحياة بعده ؟ ! على الواهمين والمنكمشين والمتشائمين ؟ ! . لكن محمدا عليه الصلاة والسلام - على ما يملك من وسائل المتاع - ما أثرت عنه قطّ شهوة عارضة ، أو نزوة خادشة ، أو حكيت عنه مغامرة لنيل جاه ، أو اصطياد ثروة ، بل على العكس ؛ بدأت سيرته تومض في أنحاء مكة بما امتاز به على أقرانه - إن صحّت الإضافة - من خلال عذبة ، وشمائل كريمة ، وفكر راجح ، ومنطق صادق ، ونهج أمين . وليس شرف النفس أن تنتهي شهوة الإنسان إلى الحياة ، أو توجد الشهوة وتنتفي وسائل بلوغها ، بل الشرف أن تكون قوة العفاف أربى من نوازع الهوى ، فإذا ظلّت النفس في حالة سكون ، فلتعادل القوى السالبة والموجبة فيها ، وقد تجد رجلا تافها هزيلا لا يخفى له طمع ، ولا تنحبس له شهوة ، لو قست غرائزه

--> ( 1 ) هذا الحديث ضعيف الإسناد ، أخرجه الترمذي في سننه : 4 / 206 ؛ وفي الشمائل : 1 / 117 ، وضعّفه بقوله : « هذا حديث غريب » ، والسبب أنه من رواية ابن لهيعة ، وهو ضعيف لسوء حفظه ، واحتراق كتبه .