محمد الغزالي
79
فقه السيرة ( الغزالي )
المنفلتة بغرائز غيره المضبوطة ما بلغت عشر قوتها ، لكن هذه وجدت زماما من الرّشد ، فكظم عليها ، وتلك لم تجد عقلا يردع ، ولا خلقا يعصم ، فثارت وتمردت . . . وقد كانت رجولة محمد عليه الصلاة والسلام في القمّة ، بيد أن قواه الروحية ، وصفاءه النفسيّ جعلا هذه الرجولة تزداد بمحامد الأدب والاستقامة والقنوع ، ثم إنه كان معافى من العقد الكريهة التي تزيّن للشباب تعشّق العظمة عن طريق التظاهر والرياء ، أو تطلّب الرياسة عن طريق المداهنة واشتراء العواطف ، فإذا انضمّ لهذا كرهه الشديد للأصنام التي عكف عليها قومه ، وازدراؤه للأوهام والأهواء التي تسود الجزيرة وما وراءها ، وإدراكه أنّ الحق شيء اخر وراء هذه الخرافات الغالبة . . تبينا السر في استئناسه للجبال والفضاء ، واستراحته إلى رعي الغنم في هذه الأنحاء القصيّة ، مكتفيا بالقليل الذي يعود عليه من كسبها . أهذا زهد في المال ، أو إعراض عن الحياة الدنيا ؟ لا ؛ إنما هو انشغال بالحقائق العليا التي تصلح بها ويسخّر فيها المال ، والرجال الكبار لا تشبعهم كنوز الذهب والفضة إذا ظمئوا إلى الحق ، ولا يريحهم أن يكونوا ملوك قومهم أو ملوك الحياة إذا رأوا المساخر الشائنة تسير بالحياة كلها إلى منحدر تسقط فيه أقدار الناس ، وتعتري فيه الدنيا جمعاء من كل خير وبر . كذلك استقبل محمد عليه الصلاة والسلام المرحلة الثالثة من عمره ؛ وهي المرحلة التي تعرّف فيها إلى زوجه الأولى ( خديجة بنت خويلد ) رضي اللّه عنها .