محمد الغزالي
77
فقه السيرة ( الغزالي )
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنه ، فإنّ هذه الحمية للحق ضدّ أي ظالم مهما عزّ ، ومع أي مظلوم مهما هان ؛ هي روح الإسلام الامر بالمعروف ، الناهي عن المنكر ، الواقف عند حدود اللّه . ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم ، وفي صلات الأفراد على سواء . . وقيل في سبب الحلف : إن رجلا من ( زبيد ) أتى بتجارة إلى مكة ، فاشتراها العاصي بن وائل السهمي ، ثم حبس حقّها وأبى أن يدفعه ! فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف ، فلم يكترثوا له ، فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة وأنشد : يا ال فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الدار والنّفر ! ومحرم أشعث لم يقض عمرته * يا للرجال - وبين الحجر والحجر ! إنّ الحرام لمن تمّت كرامته * ولا حرام بثوب الفاجر الغدر فقام الزبير بن عبد المطلب ، وقال : ما لهذا مترك ! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير انفا ، وذهبوا إلى العاصي بن وائل ، واستخلصوا منه حقّ الزبيدي . بعد ما أبرموا حلف الفضول . ويظهر أن العاصي هذا رجل مماطل سمج ، فهو صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت ، وكان خباب قينا ، فصنع سيفا للعاصي ، وأتاه لينقده ثمنه ، فقال العاصي : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ، فقال له خبّاب : لا أكفر حتى يميتك اللّه ، ثم تبعث . فقال العاصي : وإني لميّت ثم مبعوث ؟ ! قال : بلى ، قال : دعني حتى أموت وأبعث ، فسأوتى مالا وولدا ، فأقضيك - حقّ السيف - فنزلت الآيات : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) [ مريم ] . وأمثال العاصي هذا في ميدان التجارة والسياسة كثير ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم أولى الناس بخصومتهم ، وأولى الناس بمحمد صلى اللّه عليه وسلم من أعان عليهم ، وواثق على حربهم .