محمد الغزالي

74

فقه السيرة ( الغزالي )

[ أهداف التعليم ] : إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء . فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له ، مهما وسم بالشهادات والإجازات ! وأحقّ منه بالحفاوة ، وأسبق منه إلى الغاية المنشودة ، أن ينال المرء حظّا وافرا من حسن الفطنة ، وأصالة الفكرة ، وسداد الوسيلة والهدف . وقد أشار القران الكريم إلى نصيب ( إبراهيم ) عليه السّلام من هذه الخصال عندما قال : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) [ الأنبياء ] . ومحمد عليه الصلاة والسلام في هذا المنهج كجدّه إبراهيم : إنه لم يتلقّ علما على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا على عهده ، ولكنّه بعقله الخصب ، وفطرته الصافية ؛ طالع صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات ، فعاف منها ما سادها من خرافة ، ونأى عنها ، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم ، فما وجده حسنا شارك فيه بقدر ، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة ، يتابع النظر الدائم في ملكوت السماوات والأرض ، وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه ، ومن مجتمع فقد الهداة من قرون ، فهو يضمّ ضلالا جديدا إلى الضّلال القديم كلّما مرت عليه ليلة وطلع صباح . . وقد رأى أن يشهد الأعمال العامّة التي اهتمّ بها قومه ؛ لأنه لم يجد أيّ حرج إذ يشارك فيها ، ومن ذلك خوضه مع عمومته وقبيلته ( حرب الفجار ) ، ثم شهوده من بعد ( حلف الفضول ) .