محمد الغزالي
73
فقه السيرة ( الغزالي )
ولا شكّ أنّ القدر حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذّ ؛ فعند ما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متاع الدنيا - وذلك من قبيل الصغائر التافهة - تتدخّل العناية للحيلولة بينه وبين هذه الأمور . روى ابن الأثير : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبينه ، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته ؛ قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ! فقال : أفعل ، فخرجت ، حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : عرس فلان بفلانة ، فجلست أسمع ، فضرب اللّه على أذني ، فنمت ، فما أيقظني إلا حرّ الشمس ، فعدت إلى صاحبي ، فسألني ، فأخبرته ، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة . . . ثم ما هممت بعده بسوء . . . » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث ضعيف ، أخرجه الحاكم : 4 / 245 ، من طريق ابن إسحاق : حدثني محمد بن عبد اللّه بن مخرمة ، عن الحسن بن محمد بن علي ، عن جده علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول . . . فذكره ، وقال : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم » ، ووافقه الذهبي . قلت : وهو وهم منهما معا لأمرين : الأول : أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقرونا بغيره ، كما ذكر ذلك الذهبي نفسه في الميزان ، والحاكم لم يروه عنه مقرونا بغيره كما ترى ، فليس هو على شرط مسلم . الثاني : أن محمد بن عبد اللّه بن قيس ليس مشهور العدالة ، فلم يوثّقه غير ابن حبان . وتوثيقه عندما ينفرد به لا يوثق به ، لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين ، كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في ( اللسان ) ؛ ولهذا لما أورد الحافظ ابن قيس هذا في ( التقريب ) لم يوثقه ، بل قال فيه : مقبول : يعني : أنه لين الحديث ، حيث لا يتابع كما نص على هذا في مقدمة الكتاب . ثم هو ليس من رجال مسلم خلافا لمن وهم . وقد ضعف هذا الحديث الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية : 2 / 287 ، بعد أن ساقه بالسند المذكور من رواية البيهقي ، حيث قال : « وهذا حديث غريب جدا » وقد يكون عن علي نفسه ( يعني : موقوفا عليه ) ، ويكون قول : « حتى أكرمني اللّه عز وجلّ بنبوته » مقحما واللّه أعلم . وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات ، وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح ، قال شيخنا في تهذيبه : « ولم أقف على ذلك . واللّه أعلم » . ثم وجدت الحديث في تاريخ مكة ، ص 7 ، للفاكهي ؛ وتاريخ ابن جرير : 2 / 34 من الطريق المذكور . ورواه الطبراني في المعجم الصغير ص 190 ، من حديث عمار بن ياسر ، وفي سنده جماعة لم أعرفهم ، وذكر نحو هذا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : 8 / 226 .