محمد الغزالي

60

فقه السيرة ( الغزالي )

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [ هود : 78 ] . ثم قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [ هود : 80 ] . [ قلة ماله عليه الصلاة والسلام ] : لكن محمدا عليه الصلاة السلام ، على كرم محتده لم يرزق حظّا وافرا من الثّراء ، فكانت قلة ماله مع شرف نسبه سببا في أن يجمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات ؛ إن أبناء البيوتات الكبيرة تغريهم الثروة بالسطوة ، فإذا فقدوا هذا السلاح ، وكانت لهم تقاليد كريمة بذلوا جهودا مضنية ليحتفظوا بمكانتهم وشممهم . ولذلك يقول قائلهم : وإنّا - على عضّ الزمان الذي بنا - * نعالج من كره المخازي الدّواهيا وربما لا يرى بعض الناس حرجا من أن يعلن فاقته ويكشف صفحته . غير أنّ هناك بعض اخر يطوون همومهم في همتهم ، ثم يبرزون للدنيا مشمّرين ، ومن هؤلاء : عبد اللّه بن عبد المطلب . كان عبد المطلب سيّد مكة ، بيد أن هذه السيادة التي انتهت إليه انتهت به ولم تستقر في عقبه ، إذ اشتد ساعد منافسيهم في زعامة أمّ القرى ، وبدا كأنّ الأمر سيؤول إليهم ؛ بل إن هي إلا أعوام حتى تصدّرت أسرة عبد شمس ، ثم تمرّ أعوام أخرى فإذا أبو سفيان يتزعّم مكة ، وبذلك تنتقل السيادة عن بني هاشم . و ( عبد اللّه ) أصغر أبناء عبد المطلب ، وله في قلبه منزلة جليلة ، وقد زوّجه بامنة بنت وهب ، ثم تركه يسعى في الحياة واحده ، فخرج وهو عروس بعد أشهر من بنائه بامنة ، خرج يضرب مناكب الأرض ابتغاء الرزق ، وذهب في رحلة الصيف إلى الشام ، فذهب ولم يعد . . . عادت القافلة تحمل أنباء مرضه ، ثم جاء بعد قليل نعيه . وكانت امنة تنتظر رجلها الشاب الجلد ، لتهنأ بمحياها معه ؛ ولتشعره بأن في أحشائها جنينا يوشك أن تقر به عينهما ؛ غير أن القدر - لحكمة عليا - حسم هذه الأماني الحلوة ، فأمست الزوج المحسودة أيّما ، تعدّ الليالي لتودع الحياة الموحشة ( يتيمها ) الفريد . . . قال الزهري : أرسل عبد المطلب ابنه عبد اللّه إلى المدينة يمتار لهم تمرا ، فمات بها ، وقيل : بل كان بالشام ، فأقبل في عير قريش ، فنزل بالمدينة وهو