محمد الغزالي

443

فقه السيرة ( الغزالي )

النبيّ صلى اللّه عليه وسلم نافذة تطلّ على بحبوحة الحياة الرغدة ، لاستمتاع واكتنز ، واستمتاع نسوته وابتهجن . لا ، كان قادرا أن يحتجز من المال الذي يمر به ويحكم فيه ما يشاء ، لو يشاء ، لكنّ هذا النبي السمح صلى اللّه عليه وسلم كان فوق التطلع إلى اللذات الصغيرة ؛ لأن عينيه ترمقان هدفا أسمى ، ولو سيقت إليه خزائن الأرض لفكّر - قبل كلّ شيء - في إشباع نهمة الناس منها . عن أبي ذر : كنت أمشي مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حرّة المدينة ، فاستقبلنا أحد ، فقال : « يا أبا ذر » ، قلت : لبيك يا رسول اللّه ، فقال : « ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا ، تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار - إلا شيئا أرصده لدين - إلا أن أقول به في عباد اللّه هكذا وهكذا وهكذا » ، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه . ثم مشى فقال : « إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة ، إلا من قال ، هكذا وهكذا وهكذا - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - وقليل ما هم » « 1 » . إنّ أشهى الطعام في فم الرجل الشبعان الممتلئ لا مذاق له ، وقد كان هذا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شبعان القلب ، فما يخفّ إليه غيره من زينة الدينا لا يحرّك منه شعرة ، فلا غرو إذا بعثر ما يصل إليه على المحتاجين والمترقبين ، أما هو فغناه في قلبه . ذاك أدب أخذه اللّه به من قديم ، منذ قال له : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) [ طه ] . غاية ما يبغيه هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ينجو من ماسي الدنيا ومظالم البشر ، فلا تستذله أو تستذل أهله فاقة ! . إنّه يعيش على قاعدة : « ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى » « 2 » ، وفي حدود

--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 11 / 220 - 222 ؛ ومسلم : 3 / 75 ، عن أبي ذر . ( 2 ) هذا حديث مرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بسند صحيح ، فكان ينبغي التصريح بذلك ، أخرجه أحمد : 5 / 197 ، وكذا الطيالسي ، رقم ( 979 ) في حديث لأبي الدرداء . وسنده صحيح على شرط مسلم ؛ وعزاه المنذري : 2 / 39 ، لابن حبان في صحيحه والحاكم ؛ ورواه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري ، وكذا الضياء المقدسي في ( الأحاديث المختارة ) ، والطبراني من حديث أبي أمامة .