محمد الغزالي

444

فقه السيرة ( الغزالي )

هذا القليل الكافي يودّ أن يخلص من عقابيل الخلق ، لا له ولا عليه ، ولذلك كان يدعو اللّه : « اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة ، والقلّة والذّلّة ، وأن أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل عليّ » « 1 » . ويقول : « اللهم إني أسألك الهدى والتّقى والعافية والغنى » « 2 » - الاستغناء - . وهذا المنهج الصارم في المعيشة تقاضى نساءه أن يتحملن شدّة ما كنّ يعرفنها من قبل ، لقد جئن إليه من بيوتات كبيرة . وأكثرهنّ اعتادت في صدر حياتها الزاد الطيب والنعمة الدافقة ، إما مع ابائهن وإما مع رجالهن السابقين . فلا عجب إذا تململن من هذه الحياة الجديدة ، وطلبن الرغد والنعومة ، واجتمعن - على ما بينهنّ من خلاف - ليسألن الرسول صلى اللّه عليه وسلم مزيدا من النفقة ! . إنهنّ في بيت أعظم رجل في العرب ، فيجب أن تتكافأ معيشتهن مع مكانتهن ، وقد تزعّم هذه المطالب عائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر ، وتبعهن الباقيات رضي اللّه عنهن ! ! . وحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهذه المظاهرة ! إنّه المسلم الأول على ظهر الأرض وأبصار المؤمنين والمؤمنات ترنو إليه من كلّ ناحية ، وهو بصدد بناء أمة تشق طريقها وسط ألوف مؤلفة من الخصوم المتربصين .

--> ( 1 ) صحيح ، وهو مركب من حديثين : الأول : عن أبي هريرة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول . . . فذكره ، دون قوله : « الفاقة » ، وقوله في اخره : « أو أجهل . . » ، أخرجه هكذا أبو داود : 1 / 241 ؛ والنسائي : 2 / 315 ؛ والحاكم : 1 / 541 ؛ وأحمد : 2 / 305 ، 325 ، 354 ؛ وصحّحه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا . والثاني : عن أم سلمة قالت : ما خرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال : « اللهم إنّي أعوذ بك أن أضل أو أضلّ ، أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ » . رواه أبو داود : 2 / 328 - 329 ، وغيرهما ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط الشيخين » ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا ، وصحّحه الترمذي . ( 2 ) صحيح بلفظ : « والعفاف » بدل « العافية » ، كذلك أخرجه مسلم : 8 / 81 ؛ والترمذي : 4 / 256 ، وصحّحه ؛ وابن ماجة : 2 / 430 ؛ وأحمد ، رقم ( 3692 ، 3904 ، 3950 ) عن ابن مسعود .