محمد الغزالي

411

فقه السيرة ( الغزالي )

« أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك » ، قال : قلت : أهو من عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال : « لا ، بل من عند اللّه » . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سرّ استنار وجهه ، حتى كأنّه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه . فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله ، فقال : « أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك » . قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . فقلت : يا رسول اللّه إن اللّه إنما نجّاني بالصدق ، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت ، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى يومي هذا ما أبلاني ، واللّه ما تعمدت بعد ذلك إلى يومي هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقيت ، فأنزل اللّه تعالى على رسوله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ . . . إلى قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) [ التوبة : 117 - 119 ] . فو اللّه ما أنعم اللّه عليّ نعمة قط - بعد أن هداني للإسلام - أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألاأكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فإن اللّه قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، قال : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ . . . إلى قوله : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ التوبة : 95 - 96 ] . قال كعب : وكان تخلّفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين حلفوا له ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ أمرنا حتى قضى اللّه فيه ، فبذلك قال اللّه : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [ التوبة : 118 ] . وليس الذي ذكر اللّه مما خلّفنا عن الغزو ، وإنّما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه « 1 » .

--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 8 / 92 - 100 ، بطوله ؛ وكذا مسلم : 8 / 106 - 112 .