محمد الغزالي
412
فقه السيرة ( الغزالي )
مسجد الضّرار : سلك النبي صلى اللّه عليه وسلم مع الذين يتظاهرون بالإسلام طريق الملاينة والإغضاء ، يقبل منهم أعذارهم - وهي مختلفة - ويتكرم عن فضحهم وهم يتفلّتون من قيود السمع والطاعة ، فإذا تلبّس أحدهم بخيانة تهدر دمه رغب في التجاوز عنه حتى لا يقال : إن محمدا يقتل أصحابه وما هم في صحبته من شيء ، ولكن هكذا سيقول الناس . ولو أنّ هؤلاء المنافقين كانوا على قليل من الخير لأسرهم هذا الحلم وانخلعوا من خداعهم الصغير ، وأقبلوا على الإسلام طيبين خالصين ؛ بيد أنّ هذا الأسلوب العالي في معاملتهم لم يزدهم على اللّه ورسوله إلا جرأة ، فزاد افتياتهم وربت شرورهم ، ولم يبق بدّ من كشف خبثهم ، وإشعار جمهور الأمة بما تنطوي عليه نفوسهم وأعمالهم . وقد نزلت الآيات أخيرا تندّد بما فعل ويفعل أولئك المنافقون ، وتمزّق الأستار التي يتوارون خلفها ، وكانت ألاعيبهم قبل ( تبوك ) وبعدها هي النهاية الحاسمة للسماحة التي مرحوا في سعتها طويلا ، ولم يقدّروها حقّ قدرها . فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعلن على الناس ذبذبتهم ونكوصهم ، وكلّف ألّا يقبل منهم وألّا يصلّي عليهم ، بل عرّف أنّ استغفاره لهم لن يجاب ، ثم طولب المسلمون كافّة أن يقطعوهم . ومن أعجب ما تفتقت عنه حيل المنافقين أن يبنوا مسجدا يلتقون فيه واحدهم ، ويمكرون فيه بالإسلام تحت ستار التجمع على العبادة ، وقد ذهبوا للرسول صلى اللّه عليه وسلم قبل رحيله إلى تبوك يقولون له : بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة ونحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه ؟ فاعتذر لهم بأنه على جناح سفر وحال شغل . وقال : « لو قدمنا - إن شاء اللّه - أتيناكم ؛ فصلّينا لكم فيه » « 1 » . فلمّا أب النبي صلى اللّه عليه وسلم بجيشه ، وتحرج موقف المنافقين ، وانكشفت خباياهم ، أرسل اثنين من أصحابه إلى هذا المسجد ، وأمرهم أن يحرّقوه ويهدموه .
--> ( 1 ) ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 322 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد . لكن ذكره ابن كثير في التفسير : 2 / 388 ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبي بكر وعاصم بن عمر ، وابن قتادة وغيرهم مرسلا . واللّه أعلم .