محمد الغزالي
407
فقه السيرة ( الغزالي )
والنهي عن سؤال الآيات عود بالناس إلى الأحوال المألوفة ؛ إذ لا جدوى في الخروج عليها ، وخير للسائلين أن يبذلوا طاقتهم في أداء ما يكلّفون به ، وأن يرققوا قلوبهم حتى تلين لأمر اللّه . فإن من قبلهم شهد العجائب ، ثم أغرتهم قسوة القلب بازدرائها ، فحاقت بهم اللعنة . [ تحقيق أهداف الغزوة ] : وبلغ المسلمون ( تبوك ) فلم يجدوا بها كيدا ، أو يواجهوا عدوا ، ولا بدّ أن الروم اثروا الاختفاء داخل حدودهم عن ملاقاة هذه القوة الفتية . وصالح النبي صلى اللّه عليه وسلم متنصرة العرب الضاربين في هذه الأرجاء ، فدخل في عهده أهل ( أيلة ) و ( أذرح ) و ( تيماء ) و ( دومة الجندل ) ، وأيقنت القبائل التي تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه . وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب ، فإنّ بلاء المسلمين أولها كان شديدا ، ثم جاء ختامها طمأنينة وعزة ، ومكث الرسول صلى اللّه عليه وسلم هنالك بضعة عشر يوما ، يمد بصره وراء الصحراء ، حيث اختفى الرومان ، يرقب منهم حركة ، فلمّا رأى القوم قابعين مستكينين ، قرر أن يقفل عائدا إلى المدينة موفورا منصورا . وقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، ولاحت له معالمها من بعيد . فقال : « هذه طابة ! وهذا ( أحد ) جبل يحبّنا ونحبّه « 1 » ! » وتسامع الناس بمقدمه ، فخرج النساء والصبيان والولائد يقلن : طلع البدر علينا * من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا * ما دعا للّه داع لقد قوبل جيش العسرة في مرجعه هذا بحفاوة بالغة . إنّه أكبر جيش خرج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ وصل تعداده نحو الثلاثين ألفا ، ولم ينس النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة ، الذين صعب عليهم أن يجاهدوا معه ، فتخلّفوا راغمين ، والعبرات تملأ عيونهم . عن أنس بن مالك : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجع من غزوة تبوك ، فدنا من
--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه الشيخان وغيرهما .