محمد الغزالي

408

فقه السيرة ( الغزالي )

المدينة فقال : « إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم » ! ! فقالوا : يا رسول اللّه ! وهم بالمدينة ؟ قال : « وهم بالمدينة ، حبسهم العذر » « 1 » . بهذه المواساة الرقيقة كرّم النبي صلى اللّه عليه وسلم الرجال الذين شيّعوه بقلوبهم وهو ينطلق إلى الروم ، فأصلح بالهم ، وأزاح هما ثقيلا عن أفئدتهم . أمّا المنافقون من مؤمّلي الشر ودعاة الهزيمة ، والأعراب الذين اعتبروا الإسلام نكبة حلّت بهم ؛ فهم يتربّصون الدوائر بأهله ! أما هؤلاء وأولئك فأمامهم عناء طويل . المخلّفون « 2 » : ولما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد ، فصلّى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فجاء المخلّفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه . وجاءه ( كعب بن مالك ) فلمّا سلّم عليه تبسّم تبسّم المغضب ؛ ثم قال له : « تعال » . قال : فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ » . فقلت : بلى واللّه ، إنّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عليّ ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه ، إنّي لأرجو فيه عفو اللّه عنّي . واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلفت عنك ! . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمّا هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك » . فقمت . وثار رجال من بني سلمة ، فاتبعوني يؤنبونني ، فقالوا لي : واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا . ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 8 / 103 . ( 2 ) هذه الرواية من خلاصة لزاد المعاد .