محمد الغزالي

394

فقه السيرة ( الغزالي )

وماذا يصنع ؟ إنّ في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم ، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلّ تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها امنة ! فكذلك هذه الأصناف من البشر ، تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهشّ له . عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول اللّه قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ، قال : مر لي من مال اللّه الذي عندك ! فالتفت إليه ، فضحك ، ثم أمر له بعطاء « 1 » . . إنّ هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق ، ولا الطبع الرقيق ، قدر ما يعجبه من عطاء يملأ جيوبه ويسكّن مطامعه . ومن هنا قال صفوان بن أمية : ما زال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ ، حتى ما خلق اللّه شيئا أحبّ إليّ منه « 2 » . حكمة هذا التقسيم : وهذه السياسة البعيدة لم تفهم أول الأمر ، بل أطلقت ألسنة شتى بالاعتراض ، فهناك مؤمنون ظنّوا هذا الحرمان ضربا من الإعراض عنهم والإهمال لأمرهم . روى البخاريّ عن عمرو بن تغلب قال : أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوما ومنع آخرين ، فكأنهم عتبوا عليه فقال : « إنّي أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم ، وأكل قوما إلى ما جعل اللّه في قلوبهم من الخير والغنى ، منهم : عمرو بن تغلب » . قال عمرو : فما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول اللّه حمر النعم . . فكانت هذه التزكية تطييبا لخاطر الرجل أرجح لديه من أثمن الأموال . وكان الأنصار ممّن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة .

--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه مسلم : 3 / 103 ؛ وكذا البخاري . ( 2 ) رواه مسلم : 7 / 75 ؛ والترمذي : 2 / 24 ؛ وأحمد : 3 / 401 ، عن سعيد بن المسيّب : أنّ صفوان بن أمية قال ، كذا هو عند مسلم ، وظاهره الانقطاع بين سعيد وصفوان ؛ وعند أحمد والترمذي عن صفوان ، وظاهره الاتصال ، ولكنّ الترمذي رجح الأول ، وأيده ابن العربي في العارضة فقال : « لأنّ سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا » .