محمد الغزالي
393
فقه السيرة ( الغزالي )
ثم قام إلى جنب بعير ، فأخذ من سنامه وبرة ، فجعلها بين أصبعيه ، ثم رفعها فقال : « أيها الناس ! واللّه ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » « 1 » . إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا . وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء ، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى ، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله ، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الآخرة المؤثرين ما عند اللّه . ولكنّهم اليوم - بعد ما أعلنوا إسلامهم - يبغون من الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يفتح عليهم خزائن الدنيا ؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه ، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم . والحق أنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس ، وتحبيبهم في الإسلام . ولو عاقبهم على جبنهم في ( حنين ) لنال منهم أيّ منال . روى الإمام أحمد « 2 » أنّ ( أبا طلحة ) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين - لقي زوجته ( أمّ سليم ) ومعها خنجر ، فقال لها : ما هذا ؟ . قالت : إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه - وذلك في معركة حنين - ، فقال أبو طلحة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما تسمع ما تقول أم سليم ؟ فضحك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فقالت أم سليم : يا رسول اللّه ! أقتل من بعدها الطلقاء . . . انهزموا بك ! فقال : « إنّ اللّه قد كفى وأحسن يا أمّ سليم » . والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع ، هم الذين كفروا عند الطمع . وشاء النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يلطف معهم ، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا .
--> ( 1 ) صحيح ؛ رواه أحمد ، رقم ( 6729 ) ، والبيهقي : 6 / 336 - 337 ، بسند حسن عن عبد اللّه بن عمرو ؛ والبخاري : 6 / 193 - 194 ، عن جبير بن مطعم إلى قوله : « كذابا » . والباقي عند الحاكم : 3 / 49 ، من حديث عبادة بن الصامت ؛ وعند البيهقي : 6 / 339 ، من حديث عمرو بن عبسة . ( 2 ) في المسند : 3 / 190 ، وسنده صحيح على شرط مسلم .