محمد الغزالي
368
فقه السيرة ( الغزالي )
ب ( معان ) يتدبّرون أمرهم ، وقال نفر منهم : نكتب إلى رسول اللّه ، نخبره بعدد عدونا ، فإمّا أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، ولم يرق لعبد اللّه بن رواحة فشجّع الناس قائلا : يا قوم ! واللّه إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون الشهادة ! - وما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا ، فإنّما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة . وكان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها ، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر التردد وقرروا القتال مهما كانت النتائج . وابن رواحة شاعر حادّ العاطفة ، وقد أحسّ منذ خروجه أن الاستشهاد مقبل عليه ، فهو يتهيأ له بقلبه ولسانه ، وقد تكون العسكرية في تصرف غير ما أوحى به ، غير أنّ المسلمين ما إن سمعوا حديث الفداء والموت في سبيل اللّه حتى جاشت بأنفسهم محبة الآخرة ، ثم ذكروا أنهم نصروا في معارك سابقة باستعداد أقل من عدوهم ، فأقدموا مطمئنين . عن أبي هريرة قال : شهدت مؤتة ، فلمّا دنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدّة والسّلاح ، والكراع ، والديباج ، والحرير ، والذهب ، فبرق بصري ! ! فقال لي ثابت بن أقرم : يا أبا هريرة ! كأنّك ترى جموعا كثيرة ؟ قلت : نعم - وأبو هريرة ممّن أسلموا بعد الحديبية - فقال له ثابت : إنّك لم تشهد بدرا معنا ، إنّا لم ننصر بالكثرة . والتقى الجمعان ، وعبث أن ننتظر من ثلاثة آلاف بطل أن يصاولوا في ميدان مكشوف فيالق تربو عليهم سبعين ضعفا . قاتل زيد بن حارثة براية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم . وتلقّف الراية جعفر بن أبي طالب ، فأقبل على الروم يجالدهم بعنف . روى أبو داود حديث شاهد عيان يقول : لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم على فرس له شقراء ثم عقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وهو ينشد : يا حبّذا الجنّة واقترابها ! * طيّبة ، وباردا شرابها ! والرّوم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها ! عليّ إن لاقيتها ضرابها !