محمد الغزالي
369
فقه السيرة ( الغزالي )
قيل : إنّ رجلا من الروم ضربه ضربة قطعه نصفين . وقيل : أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ، وقد رزق جعفر هذه الشهادة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . فلما قتل حمل عبد اللّه بن رواحة الراية ، ثم تقدّم بها وهو على فرسه ، فلمّا أحسّ دقّة الموقف ، وشدة الضغط ، عراه بعض التردد ، ثم أقنع نفسه بورود المصير الذي ذاق صاحباه ، فأقبل على الساحة المضطرمة وهو يقول : يا نفس إن لا تقتلي تموتي ! * هذا حمام الموت قد صليت ! وما تمنّيت فقد أعطيت ! * إن تفعلي فعلهما هديت ! ثم أقدم ، وجاءه ابن عم له بقطعة لحم فناولها إياه وهو يقول : شدّ بها صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ، فما كاد يقطع منها مضغة حتى سمع الحطمة في ناحية من الجبهة استعرت بها الحرب ، فقال لنفسه : وأنت في الدنيا ؟ ورمى بالطعام من يده . . ثم انتضى سيفه ، وتقدّم حتى قتل . وأخذ الراية التي تداولتها أيدي الأمراء الثلاثة ثابت بن أقرم ، وصاح : يا معشر المسلمين ! اصطلحوا على رجل منكم ! قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل ! فاصطلح الناس على ( خالد بن الوليد ) ، وثابت أبى القيادة لا نكوصا عن الموت ، بل شعورا بوجود الأكفأ منه في الجماعة ، وحملانه الراية خشية أن تسقط من آيات الجرأة في هذا الموقف العصيب . وليت كلّ امرئ يعرف أقدار الناس ، ينزلهم منازلهم التي يستحقونها ، فلا يكلف أمته أن تحمل عجزه وأثرته . وأخذ الراية ( خالد ) فشرع يقاتل ويحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق ، وقتال الانسحاب شاقّ مرهق ، خصوصا وخالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة . روى البخاري عن خالد : اندقّت في يدي يوم ( مؤتة ) تسعة أسياف ، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية . ودخل الليل على المتحاربين ، فكان هدنة مؤقتة ، فلما طلع الصبح كان خالد قد أعاد تنظيم قواته القليلة ، فجعل المقدمة ساقة والميمنة ميسرة . وجعل هدفه مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر ، دون أن يعرّض كتلة الجيش لالتحام عام ، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الآلاف القليلة