محمد الغزالي
367
فقه السيرة ( الغزالي )
غزوة مؤنة عزّ على المسلمين مصرع رسولهم إلى أمير بصرى ، والطريقة الشائنة التي عومل بها ، فقد أوثق شرحبيل بن عمرو رباطه ، ثم قدّمه فضرب عنقه ، ولم يقتل أحد غيره من بعوث الرسول صلى اللّه عليه وسلم الكثيرة إلى الآفاق ، والرّسل لا يقتلون ، لذلك كان وقع هذه الإهانة شديدا على المسلمين ، فعزموا على الاقتصاص لرجلهم ، وعلى زلزلة الوالي الأثيم الذي صنع ما صنع لحساب الرومان . وتجهّز المسلمون في جيش يعتبر بالنسبة لهم كبيرا ، إذ بلغت عدّته ثلاثة آلاف ، وخرج أهل المدينة يودّعون الجيش الزاحف ، وهم يقولون : صحبكم اللّه بالسلامة ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ، فقال عبد اللّه بن رواحة يردّ على هذا الوداع : لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة * وضربة ذات فرع تقذف الزّبدا ! أو طعنة بيدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا ! حتّى يقال - إذا مرّوا على جدثي - * يا أرشد اللّه من غاز وقد رشدا ! ورتب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قادة الجيش ، فجعل الأمير زيد بن حارثة ، وقال : « إن أصيب فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر ، فعبد اللّه بن رواحة » « 1 » . وانطلق الجيش إلى مشارف الشام . إلا أنّ أخباره سبقته إلى الروم ، ولا بدّ أن تهاويل كثيرة أحاطت بسمعة المسلمين وطاقاتهم الحربية ، مما جعل القوم يستعدون للقتال بجيش كثيف . فلمّا وصل المسلمون إلى ( معان ) عرفوا أنّ في انتظارهم مئة ألف من الروم ، ومئة ألف أخرى من نصارى العرب . والهجوم على جيش تلك عدته مجازفة مخوفة ، فأقام المسلمون ليلتين
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 412 ، وغيره عن ابن عمر ؛ وأحمد : 5 / 299 - 300 - 301 ، عن أبي قتادة ، وسنده صحيح .