محمد الغزالي

339

فقه السيرة ( الغزالي )

جندل وأبو بصير ، وأخذوا ما كان معهم ؛ وإنّ زينب بنت رسول اللّه سألتني أن أجيرهم ، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه ؟ » فقال المسلمون : نعم « 1 » . وبلغ هذا الحوار أبا جندل ، فأفرجوا عن الأسرى ، وردّوا عليهم كلّ شيء أخذ منهم حتى العقال . ثم جاء كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أبي بصير ليترك مكانه ، ويرجع حيث يحبّ ، وكان أبو بصير يجود بأنفاسه الأخيرة ، فمات والكتاب على صدره ، ودفنه أبو جندل . أمّا أبو العاص بن الربيع فارتحل ببضائع قريش حتى قدم مكة ، فأدى إلى الناس أموالهم حتى إذا فرغ قال : يا معشر قريش ! هل بقي لأحد منكم عندي مال لم أردّه عليه ؟ قالوا : لا ، فجزاك اللّه خيرا ، قد وجدناك وفيا كريما . قال : واللّه ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا أن تظنّوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم ، فإنّي أشهد ألاإله إلا اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله . وعاد إلى المدينة ، فردّ عليه رسول اللّه امرأته زينب « 2 » ، وكان اختلاف الدين قد فرّق بينهما ، ولم ينشئ في ذلك عقدا جديدا . وقد أبى المسلمون عقيب صلح الحديبية أن يردّوا النسوة المهاجرات بدينهنّ إلى أوليائهنّ ، إما لأنّهم فهموا أن المعاهدة خاصة بالرجال فحسب ، أو لأنهم خشوا على النساء اللاتي أسلمن أن يضعفن أمام التعذيب والإهانة ، وهنّ لا يستطعن مضطربا في الأرض وردّا للكيد ، كما فعل أبو جندل وأبو بصير وأضرابهما .

--> ( 1 ) لا يصحّ ، لأن ابن عقبة رواه عن الزهري مرسلا . كما في ( الفتح ) : 5 / 369 ؛ و ( الاستيعاب ) لابن عبد البر في ترجمة أبي بصير ، غير أنّ ابن إسحاق أخرج القصة بسياق اخر ، ومن طريقه أخرجه ابن هشام في ( السيرة ) : 2 / 82 - 83 ، مرسلا ، وقد وصله الحاكم في ( المستدرك ) : 3 / 236 - 237 ، من حديث عائشة وإسناده جيد ، فالأولى الاعتماد على هذا السياق دون ما في الكتاب . وله شاهد من حديث أم سلمة عند البيهقي في سننه : 9 / 95 . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه أبو داود : 1 / 250 ؛ والترمذي ( 196 ) ؛ والحاكم : 3 / 237 ؛ وأحمد ، رقم ( 1876 ، 2366 ، 3290 ) ؛ وابن هشام في السيرة : 2 / 83 ، من حديث ابن عباس . وإسناده جيد ، وقال الترمذي : « ليس به بأس » ، وصحّحه أحمد .