محمد الغزالي

338

فقه السيرة ( الغزالي )

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : « ويل أمّه ، مسعر حرب لو كان معه رجال » « 1 » . وأدرك أبو بصير أنّه لا مقام له في المدينة ، ولا مأمن له في مكة ، فانطلق إلى ساحل البحر ، في ناحية تدعى العيص ، وشرع يهدّد قوافل قريش المارة بطريق الساحل ، وسمع المسلمون بمكة عن مقامه ، وعن كلمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيه : « مسعر حرب لو كان معه رجال » . فتلاحقوا بأبي بصير ، يشدّون أزره ، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين ثائرا ، فيهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو . وألّف أولئك المعذّبون الناقمون جيشا ، ضيّق الخناق على قريش ، فلا يظفر بأحد منهم إلا قتله ، ولا تمرّ بهم عير إلا اقتطعوها . وإذا قريش ترسل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء فلا حاجة لها بهم . وبذلك نزلت قريش عن الشرط الذي أملته تعنتا ، وقبله المسلمون كارهين . وقصة أبي بصير وأبي جندل وإخوانهما لها دلالة مثيرة ، فهي قصة العقيدة المكافحة في لؤم من الأعداء ، ووحشة من الأصحاب ! وهي توضّح أنّ الإيمان باللّه أخذ طريقه إلى قلوب أولئك النفر مجرّدا من كل شيء إلا سلامة جوهره . إنّهم قد فقدوا الأمداد الروحية التي تجيئهم من مخالطة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والإصغاء إليه ، وهو يتلو وينصح ، بيد أنهم عوّضوا عنها من الاتصال بكتابه والاقتباس من ادابه ، فكانوا - في اهتدائهم للحق ، وإبائهم للضيم ، وإيثارهم للمغامرة - مثلا حسنى للإسلام المكافح العزيز . ولم يعد أبو بصير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ذلك أن الإذن بالمقام معه جاء وهو يحتضر ، وروى موسى بن عقبة أنّ رجال أبي بصير صادروا قافلة كان فيها أبو العاص بن الربيع صهر النبي صلى اللّه عليه وسلم - وهو لما يدخل الإسلام بعد - وأسروا من فيها ما عدا أبا العاص - لمكانته - فذهب أبو العاص إلى زينب امرأته ، وشكا لها ما وقع لأصحابه ، وما ضاع لهم من أموال ، وحدّثت زينب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخطب النّاس قائلا : « إنّا صاهرنا أناسا ، وصاهرنا أبا العاص ، فنعم الصّهر وجدناه ، وإنّه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش ، فأخذهم أبو

--> ( 1 ) صحيح : وهو من تمام القصة عند البخاري وأحمد .