محمد الغزالي
317
فقه السيرة ( الغزالي )
لكن سعدا لم ينس - في ضجيج الرّجاء الموجّه إليه - أنّ الإسلام وأبناءه ، والمدينة وثمارها وحرثها ونسلها وحرماتها ، لم ينج من وطأة الأحزاب الهاجمين إلا بأعجوبة خارقة ، وأنّ بني قريظة هؤلاء ومن اووهم ، كانوا المحرّضين والشركاء المقبوحين في هذه الحرب التي أعلنت لاستئصال التوحيد الحق واجتياح أهله . ولم ينس سعد كيف نقضت بنو قريظة عهدها ، واستقبلته بالألفاظ البذيئة عندما ذهب يناشدهم الوفاء ! ألم يقل لهم يومئذ : أخشى عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه ؟ فكان ردّهم عليه : أكلت ذكر أبيك ! ! . لذلك ما لبث سعد أن صاح بقومه - وقد أكثروا عليه الرجاء - : قد ان لسعد ألّا تأخذه في اللّه لومة لائم . [ نزول بني قريظة على حكم سعد ] : وحكم سعد أن يقتل الرجال ، وتسبى الذرية ، وتقسّم الأموال ، وأقرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا القضاء الحازم قائلا لسعد : « لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبع سماوات » « 1 » . وحفرت الخنادق بسوق المدينة لتنفيذ هذا الحكم ، وسيق إليها مقاتلة اليهود أرسالا - طائفة بعد أخرى - ؛ ليدفعوا ثمن خيانتهم وغدرهم . قال اليهود لسيدهم كعب وهم يساقون لمصارعهم : ما تراه يصنع بنا ؟ فقال : أفي كلّ موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعي لا ينزع ، وأنّه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو - واللّه - القتل . أجل ! هو القتل ! وإنّما تقع تبعات الحكم به على من تعرّض له بسوء صنيعه ، وبما أسلف من نيّات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق ، ولو قد تحققت لكان ألوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية ، يحرضهم ويؤازرهم أولئك اليهود . وربّما كانت مغامرات نفر من طلاب الزعامة سببا في هذه الكارثة التي
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه ابن إسحاق ، وعنه ابن هشام : 2 / 197 ، عن علقمة بن وقّاص الليثي مرسلا ؛ ولكن أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري دون قوله : « من فوق سبع سماوات » ، فهذا ضعيف .