محمد الغزالي
318
فقه السيرة ( الغزالي )
حلّت ببني قريظة ، ولو أنّ حييّ بن أخطب وأضرابه سكنوا في جوار الإسلام ، وعاشوا على ما أوتوا من مغانم ، ما تعرّضوا ولا تعرّض قومهم لهذا القصاص الخطير . لكنّ الشعوب تدفع من دمها ثمنا فادحا لأخطاء قادتها . وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من الشعوب أثمانا باهظة لأثرة الساسة المخدوعين . ولذلك ينعى القران على أولئك الرؤساء مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) [ إبراهيم ] . لقد جيء بحييّ ليلقى جزاءه ، وحييّ - كما علمت - جرثومة هذه الفتن . فنظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : أما واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكن من يخذل اللّه يخذل ، ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس ! لا بأس بأمر اللّه ، كتاب وقدر ، وملحمة كتبها اللّه على بني إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه ! . وفي ذلك يقول الشاعر : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنّه من يخذل اللّه يخذل لجاهد حتّى أبلغ النّفس عذرها * وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل والحقّ أنّ من مشركي قريش ومن رجال يهود أناسا واجهوا الموت بثبات . ولن تعدم المبادئ الباطلة والنحل الهازلة أتباعا يفتدونها بالأرواح والأموال ، غير أن شيئا من هذا لا يجعل الباطل حقا ولا الجور عدلا . إن موقف اليهود من الإسلام بالأمس هو موقفهم من المسلمين اليوم . فألوف من إخواننا ذبحهم اليهود في صمت وهم يحتلون فلسطين . والغريب أن اليهود تركوا من نصب لهم المجازر في أقطار أوربة ، وجبنوا عن مواجهتهم بشرّ ! ! واستضعفوا المسلمين الذين لم يسيئوا إليهم من اثني عشر قرنا ، فنكلوا بهم على النحو المخزي الفاضح ، الذي لا يزال قائما في فلسطين . . . تشهده وتؤيده وتسانده دول الغرب .