محمد الغزالي
312
فقه السيرة ( الغزالي )
مع بني قريظة انفضت حشود الأحزاب حول المدينة ، وعادت المطيّ بها من حيث أتت تذرع رحاب الصحراء ، وليست تحمل معها إلا الفشل والخيبة ، وبقي يهود بني قريظة واحدهم ، أو بقوا وبقيت غدرتهم ، التي فضحت طواياهم ، فأصبحوا وأمسوا أشبه بالمجرم الذي ثبتت إدانته ، فهو يرقب - بوجه كالح - قصاص العدالة منه . وكانت مشاعر التغيّظ في أفئدة المسلمين نحو أولئك اليهود قد بلغت ذروتها ، إنّهم هم الذين استخرجوا العرب استخراجا ، واستقدموهم إلى دار الهجرة ليجتاحوها من أقطارها ، ويستأصلوا المسلمين فيها . إن جراحات المسلمين لطردهم من ديارهم ، ومطاردتهم في عقيدتهم ، واستباحة أموالهم ودمائهم لكلّ ناهب ومغتال ، لمّا تندمل بعد ، بل لن تندمل أبدا ، فكيف ساغ لأولئك الخونة من بني إسرائيل أن يرسموا بأنفسهم الخطة لإهلاك الإسلام وأبنائه على هذا النحو الذليل ؟ . ثم ما الذي يجعل بني قريظة خاصة - وهم لم يروا في جوار محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا البر والوفاء - يستديرون بأسلحتهم منضمين إلى أعداء الإسلام ، كي يشركوهم في قتل المسلمين وسلبهم ؟ . وها قد دخل في حصونهم حيي بن أخطب رأس العصابة التي طافت بمكة ونجد ، تحرّض الأحزاب على اللّه ورسوله ، وتزعم أنّ الوثنية أفضل من التوحيد ! ! . لذلك ، ما إن وثق المسلمون من منصرف الأحزاب عن المدينة حتى أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مؤذّنا فأذّن في الناس : « من كان سامعا مطيعا فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه ابن هشام : 2 / 194 - 195 ، عن ابن إسحاق : حدثني الزهري به مرسلا ، وقد أخرجه البخاري : 7 / 327 ؛ ومسلم : 5 / 162 ، وغيرهما من حديث ابن عمر به ، دون قوله : « من كان سامعا مطيعا » .