محمد الغزالي

313

فقه السيرة ( الغزالي )

والأذان للقتال في هذه الضحوة المشرقة بالظفر والنجاة قرع مسامع المسلمين نديّا جليا ، فهم في غمرة من الشعور بتأييد اللّه وملائكته لهم ، أين هم اليوم مما كانوا عليه بالأمس القريب ؟ إنّهم مدينون بحياتهم وكرامتهم للعناية العليا واحدها . . . أمّا خصومهم ، فإنّ قوى الكون المسخّر بإذن اللّه هي التي فضّت جموعهم وفلّت حدودهم . فلا غرو إذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمؤمنين - محدّثا عن الرّوح الأمين - : « ما وضعت الملائكة السّلاح بعد . . إنّ اللّه يأمرك يا محمّد بالمسير إلى بني قريظة ، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم » « 1 » . وقد صدع الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالأمر ، وشدّد على المسلمين أن يسارعوا في إنفاذه . روى البيهقي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « عزمت عليكم ألاتصلّوا العصر حتى تأتوا بني قريظة » ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فقالت طائفة من المسلمين : إنّ رسول اللّه لم يرد أن تدعوا الصلاة ، فصلّوا . وقالت طائفة : واللّه إنا لفي عزيمة رسول اللّه ، وما علينا من إثم ، فصلّت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، ولم يعنّف رسول اللّه واحدا من الفريقين « 2 » . وذلك يمثّل احترام الإسلام لاختلاف وجهات النظر ما دامت عن اجتهاد بريء سليم ، والنّاس غالبا أحد رجلين : رجل يقف عند حدود النصوص الظاهرة لا يعدوها ، ورجل يتبيّن حكمتها ويستكشف غايتها ، ثم يتصرّف في نطاق ما وعى من حكمتها وغايتها ، ولو خالف الظاهر القريب . وكلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه ؛ سواء أصاب الحق أو ندّ عنه . ومن العلماء من أهدر الوقت المعيّن للصلاة بعذر القتال ، وذلك مذهب البخاري وغيره ، وهذا - عندي - أدنى إلى الصواب . فإنّ ترتيب الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهمّ ما يحدّد رسالة المسلم في الحياة ، بل إنّه لا يفهم دينه فهما صحيحا إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب .

--> ( 1 ) هو من حديث الزهري المتقدم . لكنّ أمر جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمسير ثابت في صحيح البخاري : 7 / 327 ؛ والمسند : 6 / 56 ، 131 ، 141 ، 280 ؛ من حديث عائشة . ( 2 ) حديث صحيح ، رواه البيهقي في ( دلائل النبوة ) من حديث عبيد اللّه بن كعب ، وحديث عائشة ؛ وأخرجه عنها الحاكم : 3 / 34 - 35 ، وصحّحه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي .